اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

 

    مكتبة الأبحاث القانونية      أبحاث في الضرائب      بحث في جرائم الإخلال بواجب الإقرار في ضريبة الأرباح التجارية

        
 
  المؤلف : أحمد ثابت عويضة   المصدر : مجلة المحاماة - مصر سنة 1947 - 1948
    بحث في جرائم الإخلال بواجب الإقرار في ضريبة الأرباح التجارية

مجلة المحاماة - العدد الأول والثاني
السنة الثامنة والعشرون - 1947 - 1948

بحث في جرائم الإخلال بواجب الإقرار في ضريبة الأرباح التجارية [(1)]

( أ ) أساس الإقرار - خصائصه.
(ب) مدى واجب الإقرار - أشخاصه - مضمونه - ميعاده - مكانه.
(ج) الآثار الجنائية المترتبة على الإخلال بالإقرار.
1 - جرائم الامتناع عن الإقرار.
2 - جرائم الإخلال بواجب الصدق.
3 - جرائم الإخلال بوسائل الفحص.
لقد تردد المشرع المصري وغيره من المشرعين في الأساس الذي يُبنى عليه نظام الضريبة هل يقوم على مظاهر خارجية، فنحفظ للممول أخباره وأسراره، أم يستند إلى أرباح الممول الفعلية فيكون ذلك أقرب للعدالة وأحفظ للخزانة، ولقد غلبت الاعتبارات الأخيرة فنص الشارع على فرض الضريبة على أرباح الممول الحقيقية م (42)، (47).
وهو في سبيل تحديد هذه الأرباح اقتضى من الممول عملاً إيجابيًا وهو تقديم إقرار بأرباحه واستلزم أن يكون ذلك الإقرار ممثلاً لحقيقة أعماله ونشاطه، وأوجب عليه أن يذعن لما قرره من وسائل للتثبت من صحة إقراره وبياناته، فإذا أخل الممول بهذه الواجبات وقع تحت طائلة ما فرضه الشارع من عقوبات لجرائم الإخلال بالإقرار.
هذا الواجب يثير بحثه كثيرًا من القواعد المالية ويعرض الإخلال به لطائفة من المبادئ الجنائية لذلك يجب علينا في معرض هذا البحث أن نتناول:
1 - أساس هذا الواجب وخصائصه.
2 - مدى واجب الإقرار.
3 - الآثار الجنائية المترتبة على الإخلال به وهي جرائم الإخلال بالإقرار.
ولقد تحدثت المادتان (43)، (48) عن هذا الواجب فقالت الأولى:
(على الشركات les societés sont tenues أن تقدم إلى مصلحة الضرائب في ظرف ثلاثين يومًا من تاريخ إقرار الجمعية العمومية للحساب السنوي وعلى الأكثر في ظرف ثلاثين يومًا من آخر تاريخ يقضي قانون الشركة بضرورة تصديق الجمعية العمومية عليه إقرارًا مبينًا فيه مقدار أرباحها).
وقالت الثانية:
(يكون الممول مكلفًا le contribuale est tenu بأن يقدم إلى مصلحة الضرائب قبل أول مارس من كل سنة أو في بحر شهرين من انتهاء سنته المالية الإقرار المنصوص عنه في م(43) مع كل الوثائق والمستندات المؤيدة له).
وجاءت هاتان المادتان في الفصل الخامس الذي خصصت مواده لتحديد مقدار الأرباح التي تسري عليها الضريبة ووردت المادة (43) في القسم الأول الذي خصص لشركات المساهمة والأسهم.
كما ورد بالصيغة الفرنسية وجاءت م (48) في القسم الثاني الذي جعل للأفراد والشركات غير شركات المساهمة.
وواضح من هاتين المادتين أن الإقرار في الضريبة يختلف عن الإقرار في القانون وهو اعتراف شخص لآخر بواقعة تكسبه حقًا بخصائص ثلاث:
1 - الأول يقع إجباريًا فالشارع يلزم الممولين بتقديمه والثاني يكون اختياريًا.
2 - الإقرار في الضريبة يكون مؤيدًا بالأوراق المؤيدة له وهو في القانون قد لا يتحقق له ذلك.
3 - الإقرار في الضريبة يجب أن يشتمل على وقائع صحيحة وهو في القانون قد لا يتحقق له ذلك.
هذه الخصائص الثلاث تبين لنا قيمة الإقرار في نظر الشارع وتفسر لنا ما وضعه الشارع لمخالفته من جزاءات.

مدى الإقرار

ونحن في شرح هذا المدى نتصور حالة الأشخاص الذين كانوا يزاولون نشاطًا وقت صدور قانون الضرائب فقد كانوا يتساءلون هل يقع عليهم عبء هذا الإقرار فإذا ما بدى لهم أنهم ملزمون به كان عليهم أن يبحثوا مضمون هذا الإقرار ثم ميعاده ثم مكان وفائه.
فلنا إذن أن نتحدث عن:
1 - الأشخاص الذين يجب عليهم تقديم الإقرار.
2 - مضمون الإقرار.
3 - ميعاد الإقرار.
4 - جهة تقديم الإقرار.

الأشخاص الذين يجب عليهم تقديم الإقرار

تكفلت المادة (43)، م (48) ببيانهم فقالت الأولى (على الشركات Sociétés)، وجاء هذا البيان في قسم شركات المساهمة أو شركات الأسهم كما يتضح من الصيغة الفرنسية Sociétés par actions.
كما ذكرت م (48) فقالت على الممول Contribualble، وجاء هذا البيان في القسم الذي جعل للأفراد والشركات غير ذات الأسهم.
فكأن الشارع حدد الأشخاص الذين يتعين عليهم تقديم الإقرار بأنهم الأشخاص الذين تجب عليهم الضريبة contribuable أو الممولون فيجب علينا إذن تحديد الأشخاص الذين يخضعون للضريبة حتى يتسنى لنا تحديد من يقع عليهم واجب الإقرار.
نصت على ذلك م (30) فقالت (تفرض ضريبة سنوية على أرباح المهن والمنشآت التجارية والصناعية أو المتعلقة بالحرف ومن بينها امتيازات ومنشآت المناجم وغيرها).
ثم أردفت م (31) فقالت (تسري الضريبة على الشركات المساهمة مهما يكن الغرض منها).
ثم ذكرت م (32) (تسري الضريبة كذلك على أرباح):
1 - شركات التعاون للاستهلاك متى كانت تملك محال أو حوانيت أو مخازن لبيع أو تسليم المواد الغذائية أو المحاصيل أو البضائع.
2 - الجمعيات التعاونية واتحاد الجمعيات التعاونية لأصحاب الحرف.
3 - الجمعيات التعاونية التي يؤلفها العمال للإنتاج.
4 - الأفراد والشركات الذين يقومون بأعمال الوساطة لشراء وبيع العقارات أو المحال التجارية أو الذين يشترون عادةً لحسابهم العقارات أو المحال التجارية بقصد بيعها.
5 - السماسرة وسماسرة الأوراق المالية والوكلاء بالعمولة وبصفة عامة كل شخص أو شركة أو وكالة أو مكتب يشتغل بأعمال الوساطة لشراء أو بيع أي نوع من البضاعة والمواد الغذائية أو القيم المالية على اختلاف أنواعها.
6 - الأشخاص والشركات الذين يجرون تقسيم أراضي البناء المملوكة لهم ويبيعونها بعد القيام بما يقتضيه ذلك من أعمال التمهيد.
7 - الشركات أو الأشخاص الذين يؤجرون محلاً تجاريًا أو صناعيًا مع أثاثه والأدوات التي تلزم لتشغيله سواء أكان الإيجار يشمل أم لا يشمل كل أو بعض العناصر المعنوية المتعلقة بالمتجر أو المصنع.
8 - كل مهنة أو منشأة لا تسري عليها ضريبة أخرى خاصة بها.

الأشخاص الخاضعين للضريبة على الأرباح التجارية

فإذا استعرضنا هذه المواد وجدنا أن الشارع سجل قاعدتين عامتين:
الأولى: تضمنتها م (31) وتقضي بسريان الضريبة على الأرباح التجارية على شركات المساهمة أيًا كان الغرض منها فلم يقيد خضوعها للضريبة بقيد ما.
الثانية: تضمنتها م (32/ 8) وهي تقضي بسريان الضريبة على كل مهنة لا تسري عليها ضريبة أخرى وهذه المادة وغيرها تتناول ما عدا شركات المساهمة من الأشخاص الذين قيد الشارع خضوعهم لضريبة الأرباح التجارية بقيود منها ما يتعلق بطبيعة العمليات التي يأتي منها الربح ومنها ما يتعلق بمن مارس هذه العمليات نوجزها فيما يلي:
القيد الأول: أن لا تكون العمليات عمليات زراعية وذلك لأن الشارع نص صراحةً على إعفاء أرباح المنشآت الزراعية مادة 40/ 4 وهو في ذلك يخالف التشريعات الأجنبية التي أخضعت أرباح الاستغلال الزراعي لضريبة خاصة، وقد أوضحت المذكرة الإيضاحية حكمة هذا الإعفاء وهي رغبة الشارع في التيسير على أصحاب الملكية الزراعية وصعوبة تحصيل مثل هذه الضريبة.
وعلى أساس هذه الاعتبارات أعفيت الجمعيات التعاونية الزراعية.
ولكن ما هي المنشآت الزراعية في فرنسا يعتبرون من الاستغلال الزراعي ليس فقط زراعة الأرض واستثمارها، بل تربية الماشية إذا لم يكن البيع يلحق الشراء مباشرة، وإذا لم يتجاوز مقدار ما يشتري لها من غذاء ثلثي غذاءها، ويعتبرون أيضًا ما يجريه الزراع من تحويلات صناعية من الاستغلال الزراعي ما دام ذلك التحويل فرعًا للزراعة أو مكملاً ضروريًا لها Emanuel Besson n 85 أما إذا اتخذ شكل المنشآت الصناعية بآلات وفيرة وعمال كثيرين فإن أرباح هذه المنشآت تخضع للضريبة على الأرباح التجارية.
أما في مصر فإن إدارة الضرائب ترى أن يقتصر الإعفاء على ما يستلزمه استغلال الزراعة من عمليات كأن يربي مواشي تتناسب مع المساحة التي يزرعها فإذا تجاوزت تلك العمليات ما يستلزمه استغلال الزراعة أو لم يكن ليستلزمها كان يربي قطعان على نطاق واسع أو ينشئ معامل للألبان والمربات فهي تخضع للضريبة التجارية، وهنالك رأي آخر يرى وجوب تحديد الاستغلال الزراعي طبقًا للحدود التي يقيدها به التشريع الفرنسي لأن الشارع قد حدد المهن التجارية بنفس الحدود التي رسمها الشارع الفرنسي (حبيب باشا صـ 397).
ولكن هل يستفيد من هذا الإعفاء شركة التوصية - ذهب البعض إلى القول بأن حصة الشركاء المساهمين في شركة التوصية بالأسهم لا تعفى من الضريبة لأن الشارع نص في م (31) (في الصيغة الفرنسية) على إخضاع شركات الأسهم Societés par actions توصية ومساهمة للضريبة (يراجع Guide pratique de Contribuable. Rivet P. 5)، ولكن الرأي الأصوب هو أن هذه الشركات تعفى من الضريبة لأن الشارع في المادة 40/ 4 نص على إعفاء المنشآت الزراعية إلا ما اتخذ منها شكل شركات المساهمة anonyme فالأصل هو الإعفاء والاستثناء هو سريان الضريبة على شركات المساهمة وحدها كما يبين من الصيغتين العربية والفرنسية ويجب أن نفسر م (31) على أساس حكم م40/ 4 (دليل الممولين صـ 219).
القيد الثاني: أن تكون هذه العمليات وليدة استغلال العمل ورأس المال وعلى ذلك فالمهن غير التجارية التي لم تذكرها م (72)، وهي تقتصر على تقديم خدمة أو ثمرة الفكر لا تسري عليها الضريبة على الأرباح التجارية التي تستلزم أن تكون أرباحها وليدة رأس المال والعمل، ومن يستلزم هذا القيد يختلف في الضريبة التي تسري على تلك المهن، فمن قائل بسريان ضريبة الأجور عليها ومن قائل بسريان ضريبة المهن غير التجارية عليها لأن البيان جاء على سبيل المثال، وهنالك رأي ثانٍ لا يستلزم هذا القيد ويرى أن المهن التي لم تذكرها المادة (72) تسري عليها الضريبة على الأرباح التجارية لأن بيان المهن الذي ورد بالمادة (72) جاء على سبيل الحصر ولأن الشارع نص في م 32/ 8 على سريان ضريبة الأرباح التجارية على كل مهنة لا تسري عليها ضريبة أخرى.
ولقد ترتب على هذا الخلاف نزاع حول سريان الضريبة على الأرباح التجارية على بعض الأشخاص كالحارس والسنديك والمصفي والمثمن والصحافي (جريدة المحاكم المختلطة الأعداد رقم (3725) سنة 26، (3720) سنة 26، (3703) سنة 26).
وإذا استعرضنا أحكام المحاكم العليا وجدنا أنها جرت على أن توسع من مدلول المهن التي نصت عليها هذه المادة، فاعتبرت مهن الخبير لا تقتصر على الخبير الذي تنتدبه المحكمة بل تشمل كل شخص يقدم للغير أو للمحكمة ثمرة فكره وخبرته وجعلتها تشمل الحارس والسنديك والمصفي، بل رجال العلامات التجارية والاختراع، واعتبرت تلك المهن من المهن غير التجارية مبتعدة بذلك عن الخلاف القائم (المراجع السابقة + المجموعة الرسمية س 44 صـ 214).
القيد الثالث: أن يكون من يمارس هذه العمليات لحسابه، فإذا مارس عمليات لحساب غيره لم يخضع ما يحصل عليه من ربح للضريبة على الأرباح التجارية إلا إذا كان سمسارًا أو وكيلاً بالعمولة (حبيب باشا صـ 423).
القيد الرابع: أن تكون ممارسة هذه العمليات على وجه المهنة، وعلى ذلك لا تسري الضريبة على الأرباح الناتجة من ممارسة عملية بصفة عرضية، اللهم إلا بالنسبة لعمليات السمسرة حيث نص القانون (39) لسنة 1941 على سريان الضريبة عليها ولو كانت عارضة.
القيد الخامس: أن تكون ممارسته بقصد الربح فلا تسري الضريبة على ما تحققه الجمعيات الخيرية والنوادي والهيئات الرياضية من أرباح، كما لا تسري على أرباح ما تؤسسه من منشآت صناعية أو تجارية لتحقيق أغراضها طبقًا للرأي الراجح (كتاب تحديد الأرباح بطريق التقدير للأستاذ مرسي فهمي صـ 288).
إذا توفرت هذه القيود خضع الشخص للضريبة على الأرباح التجارية ووجب عليه تقديم الإقرار ولا يهم أن تكون هذه العمليات غير مشروعة أو باطلة أو ليست تجارية طبقًا لقواعد القانون التجاري أو أن هذه العمليات انتهت بربح أو خسارة أو أن ما عاد منها بربح لا يتجاوز حد الإعفاء (حبيب باشا صـ 386 - 387، 429).
ولا صعوبة إذا كان الممول فردًا حيث يجب عليه القيام بما يفرضه الشارع من التزامات، وقد تثار الصعوبة بالنسبة للأشخاص المعنوية التي تخضع للضريبة فيكون هناك محل للتساؤل على من يقع واجب تقديم الإقرار.
هل يقع هذا الواجب على الشركة ذاتها وهل قصد الشارع من ذلك أن يساير التشريعات الحديثة في مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيًا، وهل أبان عن قصده بما نص عليه في م (43) بقوله (على الشركات) أي أن الالتزام واجب على الشركة ذاتها ؟
إنني أرى أن الشارع ما قصد بهذه النصوص أن يخرج على منطقة التقليدي في مساءلة الأفراد وحدهم جنائيًا، ولا أدل على ذلك من تقريره عقوبة الحبس كجزاء.
ولا أدل على ذلك مما نصت عليه م (4) من اللائحة التنفيذية من فرض واجب الإخطار عن وجود الشركة على مديرها أو عضو مجلس إدارتها المنتدب، وعلى هذا جرى القضاء وعلى ذلك ذهب الفقه الفرنسي والمصري المصري (حبيب باشا المصري صـ 856) (Luien Bocquet Tome 2p. 361).
كما تقوم مثل هذه الصعوبة بالنسبة لشركات التضامن، هل يقع واجب الإقرار على كل شريك على حدة عن قدر نصيبه، أم أنه يقع على الشركة وفي هذه الحالة يجوز الوفاء بالالتزام من أي من الشركاء بل يصح الوفاء من المدير المعين للشركة، وقد جرى العمل في إدارة الضرائب على الاكتفاء بالإقرار المقدم من أحد الشركاء، ويؤيد هذا العمل أن كل شريك متضامن يلزم غيره من الشركاء ولو كان الإمضاء صادرًا منه وحده م (22) تجاري.
وإنني أرى أن كل شريك متضامن يجب عليه أن يقدم إقرارًا بأرباحه التي تحصل عليها من الشركة ولا يجزي عن الوفاء بالتزامه أن يقوم شريكه بتقديم إقرار شامل بأرباح الشركة وحصة الشركاء فيها وذلك لأن الشارع أوجب تقديم الإقرار على الممول والشريك المتضامن هو الممول وعليه تفرض الضريبة تراجع م (34)، (41).
ولأن الشارع اعتبر ربح كل شريك متضامن وحدة مستقلة عن باقي شركائه فتربط الضريبة عليه على قدر نصيبه هو في ربح الشركة وعلى قدر مجموع نشاطه لا ربحه في هذه الشركة وحدها م (34)، وعلى ذلك فالقول بإجازة تقديم الإقرار عن الشركاء من شريك منهم أو من مدير الشركة لا يتمشى مع نصوص القانون كما أنه فضلاً عن ذلك لا يمكن إدارة الضرائب من الإحاطة بمجموع نشاطه ومنع استفادته من أكثر من إعفاء واحد كما أنه قد يثير صعوبة عند مساءلة مقدم الإقرار في حالة الغش في الإقرار وعلى أساس هذه القواعد يجب محاسبة شركات التوصية البسيطة والتوصية بالأسهم والمحاصة.

مضمون الإقرار

حددت م (43)، (44)، (48) من قانون (14) لسنة 1939م (18)، (19)، (20) من اللائحة التنفيذية مضمون الإقرار وهي تفرض على الممولين شركات وأفراد الالتزامات الآتية:
( أ ) يجب على الممول أن يقدم الإقرار مشتملاً على بيانات معينة.
(ب) يجب على الممول أن يؤيد هذا الإقرار بالأوراق المؤيدة له.
(ج) يجب على الممول أن يلتزم الصدق فيما يذكره ويقدمه.
( أ ) بيانات الإقرار:
فرق فيها الشارع بين ممولين يمسكون حسابات وآخرين ليست لديهم هذه الحسابات.
فبالنسبة للممولين الأول فقد تحدثت عنهم م (20) فقالت (يقدم الإقرار على النموذج رقم (14) أو على أية ورقة حاوية لكافة البيانات الواردة به)، وهذه البيانات تشتمل على شقين: شق يُقصد به تحديد شخصية الممول ونوع تجارته، وشق يُقصد به مقدار أرباحه التي تخضع للضريبة ويكون إثبات تلك البيانات من واقع دفاتره.
أما بالنسبة للطائفة الأخرى وهم الممولون الذين ليست لديهم حسابات فقد تحدثت عنهم م (20) فقالت (في الأحوال التي لا يكون فيها إقرار الممول مرتكزًا إلى حسابات وإنما يكون مبينًا على تقديره).
يقدم الإقرار على النموذج رقم (15) وهذا النموذج يتفق مع الأول في تحديد شخصية الممول ونوع تجارته ويختلف عنه في أساس تحديد الأرباح في أنه يجعل تحديدها على أساس تقديره.
ويلاحظ على هذه البيانات أن الشارع لم يستلزم أن تذكر في أوراق معينة فيجوز تحريرها على أية ورقة مشتملة على كافة هذه البيانات، فالشارع عنى بجوهر الإقرار لا بشكله.
(ب) الأوراق المؤيدة له:
يجب على الممول أن يؤيد هذا الإقرار بالأوراق المؤيدة له وهنا فرق الشارع بين شركات المساهمة وما عداها.
فحدد بالنسبة للأولى الأوراق الواجب تقديمها فقالت م (44) (ويرفق بالإقرار ملخص لحساب الأرباح والخسائر وصورة من آخر ميزانية وكشف ببيان الاستهلاكات)، ونلاحظ بداءة أن هذه الأوراق تجمعها علة واحدة وهي تمكين جهة الضرائب من تعرف كيفية وصول الممول إلى رقم الأرباح الذي حدده وموضع التلاعب وتجمعها صفة واحدة وهي أنها وليدة تحضير الممول وإعداده وليست دليلاً معدًا من قبل لإثبات صحة ما تضمنه الإقرار من بيانات.
أما بالنسبة للممولين الآخرين (عدا شركات المساهمة) Sociétè par actions كما يبين من الصيغة الفرنسية فقد أوجب الشارع أن يرفق بالإقرار المستندات المؤيدة له pieces justificatives .
فما هي هذه المستندات المؤيدة وكيف نميز هذه المستندات عن الأوراق التي تقدم للمأمورية إذا ما طولب بها الممول - وكيف نميزها أيضًا عن الأوراق التي لا تقدم للمأمورية بل تترك لجهة الإدارة لكي تطلع عليها في محل المنشأة فلا تقدم للمأمورية ولو طلبت.
ولا جدال في أن هنالك أثرًا خطيرًا يترتب على هذا التحديد سواء في تعرف مدى التزام الممول وسواء في الأثر المترتب على الإخلال بكل من هذه الواجبات كما سنرى.
وإنني أرى وجوب الاهتداء في تحديد دائرة هذه الأوراق بما نص عليه الشارع في م (44)، فيجب علينا إذن أن نفرق بين طائفتين، ممولين يمسكون حسابات وآخرين ليسوا مثلهم، فالممولون الذين يمسكون حسابات ملزمون بتقديم الأوراق التي نصت عليها م (44)، وهي الميزانية وكشف الاستهلاكات وحساب الأرباح والخسائر ولا تجوز مطالبتهم بما عدا هذه الأوراق، أما الممولون الآخرون فلا يلزمون بهذه الأوراق التي يتعذر عليهم تحريرها لعدم وجود دفاتر لهم، يؤكد هذا النظر:
1 - أننا يجب أن نفسر هذه المادة على ضوء ما اشتمل عليه القانون من مواد أخرى، فالشارع حدد في م (44) الأوراق التي ترفق بالإقرار دون مطالبة وحدد في المادة (20) من اللائحة التنفيذية الأوراق التي تقدم بعد المطالبة وحدد في المادة (81) الأوراق التي تخضع لحق الاطلاع بالمنشأة فإذا ما طالبنا الممولين بإرفاق أوراق أخرى غير ما نصت عليها م (44) كان مقتضى ذلك تضييق دائرة هاتين المادتين الأخيرتين مع أنهما تسريان على الشركات المساهمة وما عداها سواء بسواء ومقتضى هذا أن يكون نطاق م (44) واحدًا كذلك أو على الأقل لا يزيد على نطاق م (44).
2 - إن العلة في اشتراط هذه الأوراق هي تمكين جهة الضرائب من التعرف على طريق الوصول إلى رقم الأرباح ولا شك أن هذه العلة قائمة بالنسبة للممولين الذين يستندون إلى حسابات فلا يجوز تقديم أقل من هذه الأوراق التي اعتبرها الشارع كلها في م (44) طريق الوصول إلى كيفية تقدير الممول لأرباحه وقد ردد الشارع هذه العلة في وصفه الأوراق بأنها المؤيدة للإقرار كما أوضحها بجلاء في م (48) بقوله (على الممول... أن يبين بنفسه ما يقدره هو لأرباحه وما يستند عليه في هذا التقدير) Ainsi que tous elements sur lequels il s'est basé pour faire cette estimation .
3 - أن الشارع أخذ بهذه التفرقة في (48) وبيان ذلك أن الشارع ذكر في م (20) من اللائحة أنه في الأحوال التي لا يكون فيها إقرار الممول عن أرباحه مرتكزًا إلى حسابات وإنما يكون مبنيًا على تقديره أي في الأحوال التي نصت عليها المادة (48)، (49) ولما كانت هاتان المادتان تشملان جميع الممولين عدا شركات الأسهم فكان الشارع يأخذ بهذه التفرقة في هاتين المادتين.
4 - ولقد أخذ الشارع بهذا الاتجاه فيما أصدره من نماذج لتقديم الإقرار وهي تعتبر متممة للائحة التنفيذية، فأوجب في النموذج رقم (14)، وهو يسري على من يمسك حسابات شركات وأفراد، أوجب على هؤلاء - أن يرفقوا الأوراق التي تضمنتها م (44) (عدا الوقائع بتاريخ 12/ 2/ 1939).
(جـ) واجب الصدق:
أوجب الشارع على الممول أن يراعي الصدق فيما يذكره من بيانات وما يقدمه من أوراق وهذا الواجب يتفق مع منطق التشريع في الاعتماد على الإقرار كأساس للضريبة وفيما يجب أن يحاط به من ضمانات للتوفيق بين مصلحة الخزانة وبين مقتضيات العدالة.
وقد نص الشارع على هذا الواجب فقال في م (43) (على الشركات أن تقدم إقرارًا.... مبينًا فيه مقدار أرباحها)، وفي النص الفرنسي le montat de leur benefice، وفي المادة (48) التي أوجبت على الممولين الأخيرين تقديم الإقرار المنصوص عليه في المادة (43).
وواضح من هذه المادة أن الإقرار يجب أن يكون شاملاً لرقم صحيح لأرباح الممول ولكافة أوجه نشاط الممول، فإذا ما ذكر الممول رقمًا غير صحيح لأرباحه كان مخلاً بهذا الواجب وإذا ذكر رقمًا صحيحًا لفرع من فروع نشاطه كأن يذكر مثلاً أرباحه في تجارة النسيج دون أرباحه من الغزل كان في ذلك خروج على هذا الواجب.
ولا شك في أن هذا الإخلال يكون أشد إذا ما جاوز هذا السلوك السلبي إلى عمل إيجابي واتخذ وسائل احتيالية للتهرب من الضريبة وسنرى عند بيان آثار الإخلال كيف تتوفر هذه الطرق الاحتيالية.

وسائل الرقابة على الممول

يخلص مما تقدم أن الشارع قد أوجب على الممول أن يقدم إقرارًا بأرباحه مشتملاً على بيانات معينة ومرفقًا به وثائق مؤكدة وأوجب التزام جادة الصدق فهل ترك هذا الواجب لضمير الممول ومشيئته أم أنه هيأ له وسائل تضمن أداءه والتزامه.
لم يكن من الطبيعي والفرد قد يغلب مصلحته الخاصة على مصلحة الجماعة وهو بغريزته يميل إلى الاستئثار بكافة أرباحه والاعتداء على حقوق غيره - أن يتركه الشارع من غير رقابة، ولذلك وضع الشارع عدة وسائل تضمن هذه الرقابة - وهذه الوسائل تتحصل في الآتي:
1 - الإيضاحات.
2 - الأدلة.
3 - حق الاطلاع.
4 - واجب التبليغ.
5 - حق التفتيش.
1 - الإيضاحات:
نصت عليها م (21) من اللائحة فقالت (يحق للمأمور بعد تلقي الإقرارات أن يطلب إلى الممول تقديم ما يراه من الإيضاحات الشفوية أو الكتابية èclairissements وعلى الممول أن يقدم هذه الإيضاحات في مدة لا تزيد على عشرين يومًا من طلبها ويكون طلب الإيضاحات الكتابية على النموذج رقم (16)، وقد قيد الشارع هذا الحق بالقيود الآتية:
1/ أن يكون طلبها بعد تلقي الإقرار وعلى ذلك إذا طلب شيئًا منها قبل تقديم الإقرار فلا محل لمعاقبة الممول على رفضه الإجابة على هذه الإيضاحات.
2/ أن تكون هذه الإيضاحات لربط الضريبة على الممول فلا تجوز مطالبة ممول بإيضاحات لربط الضريبة على ممول آخر وذلك لأن الشارع ربط حق طلب هذه الإيضاحات بتقديم الإقرار مما يدل على أن القصد منها التثبت من صحة هذا الإقرار (يراجع الأستاذ توكل عكس هذا الرأي).
3/ أن تكون هذه الإيضاحات عن مسائل لا تصل إدارة الضرائب إليها عن طريق الاطلاع أو لم تتضح لها بعد الاطلاع وهذا القيد تمليه طبيعة هذا الحق من كونه إيضاحًا، وعلى أساس هذا النظر قضت محكمة الضرائب بأنه إذا طالبت مصلحة الضرائب ممولاً ببيانات يقتضي الرد عليها بحث دفاتره الحسابية وغيرها فإن ما تطلبه المصلحة ليس هو من قبيل الإيضاحات، بل هو تجاوز لحق الاطلاع (جنحة (720) ضرائب سنة 1946).
2 - الأدلة:
[(2)] م (22) من اللائحة فقالت (للمأمور أن يطلب من الممول تقديم الدليل على ما يرى افتقاره للإثبات فيما جاء بإقراره ويجب على الممول تقديم هذا الدليل في مدى عشرين يومًا من طلبه، وقد قيد الشارع هذا الحق بقيدين أحدهما يتصل بالواقعة التي يراد إقامة الدليل عليها والآخر يتصل بذات الدليل.
فالقيد الأول خلاصته أن تكون الواقعة التي يراد إثباتها من بيانات الإقرار وهذا القيد ظاهر من عبارة الشارع فيما جاء بإقرار، Pour appuyer le contenu de sa de sa déclaration.
والقيد الثاني محصله أن يكون الدليل غير الدفاتر التجارية وأوراق الحسابات التي أوجب القانون في المادة (81) أن يكون الاطلاع عليها مكان المنشأة.
3 - حق الاطلاع:
هو حق رجال مصلحة الضرائب في الاطلاع على الأوراق والوثائق التي تمكنها من تحديد وعاء الضريبة ومن ربطها ومنع التهرب منها.
وقد نص الشارع على هذا الحق في م (81) فقال (أصحاب المصارف والمكلفون بإدارة أموال ما والتجار الذين من مهنتهم دفع إيرادات القيم المنقولة وكذا كل الشركات والتجار عامة ملزمون أن يقدموا إلى موظفي الضرائب عند كل طلب الدفاتر التي يقضي عليهم قانون التجارة أو غيره من القوانين بإمساكها إذا ثبت أنهم يمسكونها فعلاً وكذلك غيرها من الدفاتر والوثائق الملحقة بها أوراق الإيرادات والمصروفات لكي يتمكن الموظفون المذكورون من التثبت من تنفيذ جميع الأحكام التي يقررها هذا القانون ويحصل الاطلاع في مقر صاحب الشأن أثناء ساعات العمل العادي).
وهو أهم الوسائل التي شرعت لتمكين مصلحة الضرائب من الرقابة على الممولين ومن جهة أخرى هو أشد التدابير وطأة وثقلاً وكان الخوف منه مدعاة لربط الضريبة على المظاهر الخارجية للممول ولذلك حرص الشارع على التوفيق بين ما تقتضيه المصلحة العامة من الرقابة على أعمال الممولين وبين ما تستلزمه أسرارهم وأعمالهم وحرياتهم من رعاية فأحاط هذا الحق بضمانات تتحصل في الآتي:
1/ أن يكون هذا الحق لأشخاص معينين حددتهم اللائحة التنفيذية وهم من درجة مساعد مفتش أو مساعد مأمور على الأقل، وقد راعى الشارع أن يكون هؤلاء الموظفون من درجات عالية رعاية لأسرار الممول (مذكرة لجنة المجلس الاقتصادي).
2/ أن يخطر الممول بتاريخ وساعة حضور الموظف مع تعيين الدفاتر والأوراق المراد الاطلاع عليها قبل الانتقال، ويكون الإخطار طبقًا لنص م (23) من اللائحة على النموذج رقم (17)، ولم يرد باللائحة تحديد لميعاد الإخطار، ولذا يصح الاطلاع عقب الإخطار مباشرة كما يبين من إجابة حضرة مندوب الحكومة إبان مناقشة هذه المادة بقوله (إن من تعليمات المصلحة ما يقضي بإخطار المنشآت المراد التفتيش عليها بالموعد الذي يحدد للتفتيش والأوراق المراد الاطلاع عليها، وذلك قبل إجراء التفتيش بخمسة أيام على الأقل على أن هنالك أحوالاً قد يقتضي الخروج عن هذه القاعدة عند الضرورة تقدرها مصلحة الضرائب.
وعلى ذلك فإذا فتح المأمور بنفسه إدراج المحل وعثر على دفتر فإنه يعتبر متجاوزًا حق الاطلاع لأن الاطلاع لا يخوله التفتيش (حكم محكمة الإسكندرية أغسطس سنة 1946 جريدة المحاكم المختلطة عدد 3694).
ولكن هل يجوز لمأمور الضرائب أن يطلب الاطلاع على دفاتر الممول التي لم يذكرها في طلب الاطلاع ؟ إن مقتضى تعيين الدفاتر قبل الانتقال يجيز للممول أن يمتنع عن تقديم دفاتر لم ترد بإخطار الاطلاع ولكن للمأمور أن يطلب بطلب جديد الاطلاع على هذه الأوراق.
وليس هناك ما يمنع أن تتعدد مرات الاطلاع على دفتر واحد فيجوز الاطلاع كلما جدت حاجة لذلك وفي فرنسا وجهت إدارة الضرائب نظر موظفيها إلى عدم الاطلاع على حسابات ممول أكثر من مرة (بوكيه جزء ثان صـ 118 الملحق).
3/ أن يحصل الاطلاع في مقر صاحب الشأن وأثناء ساعات العمل فلا يجوز نقل الدفاتر والأوراق خارج هذا المقر ولا يجوز الاطلاع عليها بعد ساعات العمل.
بل إن محكمة النقض الفرنسية قضت بأنه لا يجوز لموظف الضرائب أن يأخذ ما يريد من الدفاتر والأوراق بيده ولا أن يبحث عنها، بل عليه أن يطلبها من الممول أو من مندوبه.
4/ أن يحصل الاطلاع بقصد التثبت من تنفيذ جميع أحكام القانون ولذلك نصت م (45) على أنه لا يجوز لموظفي مصلحة الضرائب استعمال حق الاطلاع في غير الأغراض المتصلة بربط الضرائب.
5/ يلزم أيضًا أن يكون الممول ممسكًا فعلاً للدفاتر والأوراق المراد الاطلاع عليها وقد نص على هذا الشرط صراحةً في مجلس الشيوخ مخافة أن يظن بأن الشارع يفرض تقديم الدفاتر التي نص عليها القانون التجاري وبالتالي يفرض إمساك هذه الدفاتر، ولا شك أن ما فرضه قانون اللغة العربية على الهيئات الأجنبية التي تخضع لحق الاطلاع من تحرير كتاباتها باللغة العربية ما يحكم هذه الرقابة وإن كان العمل يجري حتى الآن على التساهل في تنفيذ هذا القانون (يراجع كتاب الدكتور حسن جرانة في شرح قانون اللغة العربية).
يخلص مما تقدم أن من حق رجال مصلحة الضرائب الذين حددتهم اللائحة الاطلاع على أوراق الممول للتثبت من تنفيذ أحكام القانون مع مراعاة القيود السالفة فإذا امتنع الممول عن تقديم هذه الأوراق أو منع فعلاً الإدارة من استعمال حق الاطلاع بإتلاف هذه الأوراق كان معرضًا للجزاء القانوني.
ولم يقصر القانون حق الاطلاع على أوراق الممول فحسب بل جعله شاملاً للأوراق العامة، وعلى هذا نصت م (78) على أنه ليست لأية مصلحة حكومية أو لمجالس المديريات أو المجالس البلدية أو المحلية أن تمتنع في أية حالة بحجة المحافظة على سر المهنة من اطلاع مندوبي مصلحة الضرائب على ما يريدون الاطلاع عليه بقصد ربط الضريبة، وقد حرص الشارع على تأكيد هذا الحق والنص عليه في قانون الضريبة حتى لا تحتج به المصالح التي يحرم عليها القانون اطلاع أحد كمصلحة الإحصاء (تراجع مضبطة مجلس الشيوخ)، ولكنه أجاز للنيابة أن تطلع هؤلاء المندوبين على ملفات أية دعوى جنائية أو مدنية والمقصود بالمدنية كل دعوى ليست جنائية سواء كانت حسبية أو شرعية مراعيًا في ذلك أن النيابة قد ترى لمصلحة التحقيق أن تمتنع عن الاطلاع عليها (دليل الممولين للأستاذ بيكوفر صـ 329).
ولم يقصر القانون الفرنسي حق الاطلاع على أوراق الممول والأوراق العامة بل أجاز استعمال حق الاطلاع لدى أي ممول آخر بقصد الحصول على البيانات التي توصل إلى ربط الضريبة على هذا الممول أو على ممول آخر.
أما في مصر فقد ورد بتقرير لجنة المجلس الاقتصادي أنها تجاهر في وضوح وصراحة بأنه وإن كان لا يجوز كتمان أي بيان عن المصلحة إلا أنه يجب أن ينص على أن ما تحصل عليه من المعلومات أثناء تفتيشها على أحد الممولين لا يجوز استعماله ضد ممول آخر وأنه لا يجوز إجراء تحقيق لدى ممول فيما يتعلق بشؤون ممول آخر إلا بأمر من القضاء وتحقيقًا لهذه الغاية اقترحت اللجنة وضع المادة (56) التي نصت على أنه في الدعاوى التي أشير عليها في المادتين (45)، (54) يكون للمحكمة أن تقضي إما بتكليف البيوت المالية بتقديم مستخرجات من دفاترها أو حساباتها فيما يتعلق بالحالة المالية للممول المرفوعة الدعوى منه أو عليه وإما بندب قاضٍ أو خبير من الخبراء المشار إليهم في المادة (86) للاطلاع على الدفاتر والحسابات المذكورة.
وعلى أساس هذا الرأي أصدرت مصلحة الضرائب منشورًا رقم (51) سنة 1940 وجهت فيه نظر موظفيها إلى أن الاطلاع شرع لإعطاء مصلحة الضرائب فرصة التحقيق من قيام كل منشأة على حدة بجميع الالتزامات والواجبات التي فرضها عليها القانون دون استعمال هذا الحق كوسيلة لرقابة أية منشأة أخرى أو أي ممول آخر كذلك فإنه لا يجوز تكليف أية منشأة بإعطاء بيانات أو تقديم مستخرجات من أوراقها عن الحالة المالية لأي عميل أو ممول آخر يتعامل معها، كما أن المعلومات التي تتجمع لدى الموظفين من طريق حق الاطلاع عن المعاملات بين الممولين بعضهم البعض لا يصح مجابهة أحد من الممولين بها وإنما هي أداة استرشاد شخصية لا يجوز إفشاء مصادرها ولا التمسك بها كأساس قانوني ملزم لأحد الممولين بتعديل الربط لأن ذلك لا يكون إلا عن طريق القضاء.
وأيد البعض هذا الرأي بحجة أن إباحة الاطلاع على أوراق الممول لربط الضريبة على غيره تعتبر مخالفة لسر المهنة (دليل الممولين للأستاذين بيكرفر وشميل صـ 21).
وذهب آخرون إلى القول بجواز الاطلاع على أوراق الممول لربط الضريبة على شخص آخر مستندين في ذلك إلى عموم نص المادة (81) (الأستاذ توكل وبرتي في ضريبة الأرباح التجارية صـ 8).
ونلاحظ أن المادة (56) تقيد من حكم المادة (81) بطريق الدلالة لأن الشارع وقد جعل الإذن بالاطلاع جوازيًا للمحكمة فقد دل بذلك على وجوب استئذان المحكمة قبل الاطلاع ولكن هذه المادة جاءت معيبة من الوجوه الآتية:
1 - من حيث موضعها فقد كان الأصوب وهي لتقييد حق الاطلاع أن ترد في الكتاب الذي نص فيه الشارع على هذا الحق وأن يكون ورودها بعد هذه المادة.
2 - من حيث صياغتها لأنها في ظاهرها تدل على أن الإذن مقصور على حالة رفع الدعوى للنزاع على التقدير.
ولكنني أرى أنه يجوز لمصلحة الضرائب أن تلجأ إلى استئذان المحكمة قبل رفع الدعوى وقبل التقدير لأن حاجة المصلحة في هذه المرحلة ادعى من مرحلة النزاع.
3 - أنها تشير إلى أن الاطلاع يقتصر على من تنتدبه المحكمة أو الخبير فكأنها لا تخول هذا الحق لموظفي مصلحة الضرائب، ولكنني أرى أنه يجوز للمحكمة أن تنتدب شخصًا من موظفي مصلحة الضرائب ممن لهم حق الاطلاع طبقًا للائحة لأنه إذا كان من الممكن للمحكمة أن تنتدب شخصًا ليس له حق الاطلاع أصلاً وهو الخبير فيجوز لها من باب أولى أن تنتدب شخصًا له حق الاطلاع على تلك الأوراق.
4 - إنها لم تحدد معنى البيوت المالية etablissements financiers إلا أن المفهوم من المذكرة الإيضاحية أنها تنصرف إلى الممولين الخاضعين للضريبة.
4 - واجب التبليغ:
نصت عليه م (80) فقالت (على مندوبي القضاء والموظفين القضائيين والموظفين الإداريين أن يبلغوا مصلحة الضرائب كل بيان يتصل بعلمهم من شأنه أن يحمل على الاعتقاد بارتكاب غش في أمر الضرائب وارتكاب طرق احتيالية الغرض منها أو يترتب عليها التخلص من أداء الضريبة أو تعرضها لخطر عدم الأداء سواء كان هذا العلم بمناسبة قضية مدنية أم تجارية أم تحقيق في مواد الجنايات أو الجنح ولو انتهى التحقيق بالحفظ).
وواضح من هذه المادة أنها فرضت التزام الأخبار ولكنها قيدته بالقيود الآتية:
1/ أن يكون الموظف شخصًا ممن نصت عليهم هذه المادة وهم مندوبو القضاء والموظفون القضائيون والإداريون وقد ذكر حضرة مندوب الحكومة في مجلس الشيوخ بأن المقصود بمندوبي القضاء هم جميع موظفي القضاء أو ممن لهم اتصال بأعمال القضاء كالسنديك أو الخبير أو الموثق الرسمي ولكن لا يدخل ضمنهم القاضي والمستشار.
2/ أن يكون هنالك غش في أمر الضرائب أو بارتكاب طرق احتيالية الغرض منها أو يترتب عليها التخلص من أداء الضريبة أو تعريضها لخطر عدم الأداء

Une fraude commise en matiere fiscale ou une manoeuvre quelconque ayant eu pour objet ou ayant eu pour resultat de frauder ou de compromettre un impot.

ولم يحدد الشارع ما المقصود بالغش وما هي الفوارق بينه وبين الطرق الاحتيالية.
وعندي أن الغش كل تصرف إيجابيًا كان أم سلبيًا يؤدي إلى الفرار من أداء الضريبة كلها أو بعضها ففي حالة الغش يجب تحقق الوسيلة والغاية بربط الضريبة على أساس هذا الغش.
أما الطرق الاحتيالية كما سنرى - وهي الوقائع المادية التي تحيط بالإقرار لغش إدارة الضرائب فهي وسيلة فقط وفي حالة الطرق الاحتيالية يكفي تحقق الوسيلة ولا يلزم تحقق الغاية.
3/ أن يكون البيان يحمل على الاعتقاد بوقوع الغش أو الطرق الاحتيالية فالشارع لم يستلزم حصول العلم فعلاً بل اكتفى بكل بيان يحمل على هذا الاعتقاد ولكن يجب أن يكون هذا البيان واضح الظهور في تحقق الغش والاحتيال، فلا يكفي البيان المبهم الذي لا يحقق ذلك بطريقة جازمة لا تحتمل الشك وتقدير ذلك مسألة موضوعية يترك تحديدها للقضاء.
4/ يجب أن يصل إلى علم هؤلاء هذا البيان في صدد قضية مدنية أو جنائية فلا يكفي أن تصل إليهم هذه المعلومات بصفة شخصية لأنها ليست عن طريق من هذه الطرق التي حددتها المادة.
إذا توفرت هذه القيود وجب على من يصل إلى علمه هذا البيان أن يدلي به إلى إدارة الضرائب وإلا تعرض لعقوبة جنائية نصت عليها المادة (85)، ولا يجوز له الاحتجاج بسر المهنة لأن الشارع أوجب عليهم هذا التبليغ.
5 - حق التفتيش:
وهو يختلف اختلافًا بينًا عن حق الاطلاع الذي يحصل بعد إخطار وبعد تعيين لموضوعه وتحديد لوقته، وقد اختلفت وجهات النظر في تقريره اختلافًا بينًا - فذهب الأستاذ حبيب باشا المصري (كتابه 653) إلى إنكار هذا الحق على مصلحة الضرائب بحجة أن هذا الحق يزيل كل القيود والحدود التي قررها الشارع لحق الاطلاع ويجعلها عديمة الجدوى من الناحية العملية وبفتح الباب على مصراعيه لإساءة استعمال هذا الحق إلى أبعد الحدود وتجاوزه لمجرد وجود بلاغ قد يكون كاذبًا، هذا فضلاً عما في ذلك من أخطاء قانونية، ولأن قانون الضرائب وضع القيود اللازمة لحق الاطلاع ولم يجز الخروج عنها مع علمه بجواز ارتكاب جرائم ضد القانون.
وقد ذهبت محكمة مصر الكلية إلى التفرقة بين الامتناع أصلاً ولو بسوء نية عن تقديم الدفاتر وبين الامتناع بعد تقديم الدفاتر وبعد المحاسبة وربط الضريبة عمدًا وبسوء نية لستر الجريمة ففي الحالة الأولى يحكم على الممول ابتداءً بالغرامة وبالتهديدات المالية مع تعرضه لتقدير أرباحه تقديرًا مبالغًا فيه إذا لم يقدم دفاتره وهذه الحالة لا تجيز الأمر بالتفتيش، أما الحالة الثانية فإن الواجب ضبط جسم الجريمة واستندت إلى ما جاء على لسان مندوب الحكومة في مجلس الشيوخ في مناقشة قانون الضرائب إذ قال (أنا لم أقل أنه يكفي أن يدعي التاجر أنه لا يمسك دفاتر وإنما قلت أن التاجر الذي قدم أول السنة دفاتره لتقرير أرباحه لا يمكن أن يدعي فيما بعد أن لا يمسك الدفاتر)، والممتنع من البداية والذي أتلف دفاتره قبل انقضاء مدة التقادم هو الذي وضعت من أجله م (83) لإرغامه على أداء واجبه حتى يمكن الحكومة من استيفاء الضرائب وليس هذا هو حال المتهمين في هذه الحالة، فقد كانت الضريبة قد ربطت عليهم من واقع حساباتهم ثم تقدم عامل المحل وقرر أن الممول خدع مصلحة الضرائب وارتكب جريمة تهرب من الضرائب وقدم اثني عشر فاتورة قرر أنها لم ترصد في الدفاتر التي اطلعت عليها المصلحة (محاماة سنة 24 صـ210).
وعندي أننا يجب أن نفرق بين حالتين الأولى حالة إذا كان التفتيش قصد به التثبت من تنفيذ أحكام القانون دون تعيين أو إسناد جريمة بالذات إلى الممول، والحالة الثانية هي حالة ثبوت الإخلال بأحكام القانون ويكون الإخلال مكونًا لجريمة جنحة ويكون التفتيش مجديًا في إثباتها.
ففي الحالة الأولى لا يجوز التفتيش لأن التفتيش لا يكون لكشف الجرائم ولذلك رسم الشارع طريق التثبت من تنفيذ أحكام القانون بما قرره من حق الاطلاع وطلب إيضاحات وأدلة.
أما الحالة الثانية حيث يكون الإخلال مكونًا لجريمة ففي هذه الحالة يجوز الالتجاء إلى التفتيش كأي جريمة أخرى مع مراعاة جميع ما وضعه الشارع من شروط لصحة هذا التفتيش وهي أن تكون الجريمة جنحة أو جناية أو يكون التفتيش مجديًا وأن تكون هناك أدلة أو قرائن كافية على وقوع هذه الجريمة، وعلى أساس هذا النظر يجوز للنيابة أن تأذن بالتفتيش في حالة استعمال طرق احتيالية سواء كان ذلك قبل ربط الضريبة أو بعد ربطها بل ويجوز لها أن تأذن في حالة الامتناع عن تقديم الدفاتر قبل ربط الضريبة ولكن ليس لها أن تأذن في حالة الامتناع عن تقديم الإقرار لأن التفتيش يكون غير منتج.
ولا محل للقول بأن الشارع وضع القيود على حق الاطلاع وهو يعلم أن الإخلال يكون جريمة مما يفهم منه أن التفتيش غير جائز، لأن هذا القول يتعارض مع القواعد العامة في تحقيق الجنايات ولأن هذه القواعد العامة لم يقيدها الشارع بنص ما ولأن هذه القيود ترد على حق الاطلاع لا على التفتيش وفرق بين الاثنين في النطاق، فالشارع فيما استحدثه من مواد كان يرمي لا إلى تعطيل القواعد العامة بل لمعالجة الحالات التي تعجز عن معالجتها القواعد العامة فقرر الاطلاع في حالة لا تجيز فيها القواعد العامة التفتيش ولا محل للخوف من أن هذا الحق يؤدي إلى تعسف في التقدير لأن هذا الحق مخول في جميع التشريعات للسلطة القضائية وهي التي تهيمن على احترام ما رسمه الشارع من قيود لمنع هذا التعسف ولا أدل على ذلك مما نص عليه كتاب سعادة النائب العام من أنه لا يجوز لوكيل النيابة أن يأذن بتفتيش مساكن في جرائم الضرائب ويجب الرجوع إليه حتى يرقى بذلك التقدير وحتى يمتنع هذا التعسف (الكتاب الدوري (128) سنة 1945).
ولا محل للتفرقة التي ذهبت إليها المحكمة التجارية لأن هذه التفرقة تتناقض مع القواعد العامة في الإجراءات الجنائية وهي القواعد التي استندت إليها في تقرير حق التفتيش بعد ربط الضريبة لأن ما وضعه الشارع من تهديدات مالية في حالة الامتناع ليس فيها ما يتعارض مع قواعد التفتيش بل هي مكملة ومتممة ومحققة للغرض منه كما أنه يقضي بها سواء ربطت الضريبة أم لم تربط في حالة الامتناع عن تقديم الدفاتر.
ولأن الحديث الذي استندت إليه عن مندوب الحكومة عن مناقشة قانون الضريبة لم يكن يدور حول التفتيش وليس فيه ما يتعلق به بل كان مدار الحديث هو وجوب تقديم الدفاتر في حالة ثبوت إمساكها فحسب، ولأن تقدير الضريبة يبني على أرباح الممول لا على مسلكه قبل إدارة الضرائب.

ضمانات الممول

بعد استعراض هذه الوسائل المختلفة التي طلع رجال الضرائب على نشاط الممول وأسراره وأخباره هل معنى ذلك أن الشارع ترك الممولين دون حماية ولم يشمل أسرارهم بشيء من الرعاية.
أجابت على ذلك مواد القانون واللائحة التنفيذية التي أحاطت حق الاطلاع بكثير من الضمانات حماية للممولين.
وقد توج المشرع هذه الضمانات بما نص عليه في م (84) فقال (كل شخص يكون له بحكم وظيفته أو اختصاصه أو عمله شأن في ربط أو تحصيل الضريبة المنصوص عليها في هذا القانون أو في الفصل فيما يتعلق بها من منازعات ملزم بمراعاة سرا لمهنة طبقًا لما تقضي به المادة (310) من قانون الضرائب وإلا كان مستحقًا للعقوبات المنصوص عليها فيها وهي الحبس لمدة لا تزيد على ستة شهور أو الغرامة التي لا تزيد على خمسين جنيهًا).
وواضح من هذه المادة أن الشارع تكفل بتحديد الأشخاص الذين يقع عليهم واجب مراعاة سر المهنة وهو لا يقتصر على موظفي مصلحة الضرائب بل يتناول غيرهم ممن يكون لهم شأن في ربط الضريبة أو تحصيلها أو الفصل فيما يتعلق بها من المنازعات كأعضاء لجنة التقدير الذي يختارهم الممول وقد كان هذا الواجب أول ما فرضته مصلحة الضرائب على عاتق موظفيها في أولى تعليماتها إليهم إذ قالت (يجب أن يكون شعاره متى خرج من المصلحة أنه لم يبصر ولم يسمع ولم يفهم فلا يفشي سرًا).
وقد أحالت هذه المادة على قانون العقوبات فيما يعتبر من الأسرار وفيما يعتبر إفشاء وفيما يوقع كجزاء على هذا الإفشاء.
وقد انساب مبدأ السرية في مواد قانون الضرائب فأوجب الشارع أن تنظر الدعاوى التي ترفع من الممول أو عليه في جلسات سرية وجعل حضور عضوين غير موظفين موكولاً لرغبة الممول.

ميعاد الإقرار

نصت على ذلك م (43) فقالت (على الشركات أن تقدم إلى مصلحة الضرائب في ظرف ثلاثين يومًا من تاريخ إقرار الجمعية العمومية للحساب السنوي وعلى الأكثر في ظرف ثلاثين يومًا من آخر تاريخ يفضي قانون الشركة بضرورة تصديق الجمعية العمومية عليه إقرارًا مبينًا فيه مقدار أرباحها ولمصلحة الضرائب عند الاقتضاء ولأسباب يكون تقديرها موكولاً إليها وحدها أن تمنح مهلة لهذا الأجل لا تتجاوز مدتها ثلاثة شهور ونصت على ذلك م (48) فقالت (يكون الممول مكلفًا بأن يقدم إلى مصلحة الضرائب قبل أول مارس من كل سنة أو في شهرين من انتهاء سنته المالية الإقرار المنصوص عليه في المادة (43)).
وواضح من هاتين المادتين أن الشارع فرق بين شركات الأسهم مساهمة أو توصية وبين ما عداها فالنسبة للأولى يجب تقديم الإقرار في ميعاد ثلاثين يومًا من تاريخ تصديق الجمعية العمومية على الحساب السنوي، وقد رأى الشارع أن بعض الشركات قد تعمد بعدم تصديقها على الحساب السنوي إلى تأجيل اتخاذ الإجراءات اللازمة لربط الضريبة فجعل هذا الميعاد يبدأ من وقت التصديق فإذا لم تصدق يكون على الأكثر في خلال ثلاثين يومًا من آخر تاريخ يقضي قانون الشركة بضرورة تصديق الجمعية العمومية عليه وتشير قرارات مجلس الوزراء الصادرة لتنظيم إنشاء شركات المساهمة إلى وجوب تحرير ميزانية وعرضها على الجمعية العمومية سنويًا في ميعاد مبين بعقد الشركة (الدكتور صالح بك صـ 246 شرح التجاري جزء أول طبعة 1946).
كذلك لاحظ أيضًا أن الشركة قد تعجز لأسباب طارئة عن عدم تقديم الإقرار في هذا الميعاد الأخير فأجاز لمصلحة الضرائب أن تمنح الشركة مهلة لا تتجاوز ثلاثة شهور.
هذا بالنسبة لشركات الأسهم أما ما عداها فقد نص الشارع على وجوب تقديم قبل أول مارس من كل سنة أو في بحر شهرين من انتهاء سنته المالية.
وواضح من هذه المادة أن الممولين الذين تتفق السنة المالية لهم مع السنة الميلادية يجب عليهم تقديم الإقرار في نهاية فبراير على الأكثر.
أما من له سنة مالية تختلف عن السنة الميلادية فهنا نجد أن الشارع قد جعل تقديم الإقرار اختياريًا للممول أي قبل أول مارس أو في بحر شهرين من انتهاء سنته المالية مما يوهم بأن الممول الذي تنتهي سنته المالية بعد مارس له إما أن يقدم الإقرار في شهرين من انتهاء سنته المالية أو قبل شهر مارس من السنة التالية - ولكن هذا الوهم يزول إذا رجعنا إلى المذكرة الإيضاحية لقانون (39) سنة 1941 الذي عدل ميعاد الإقرار فقد كان الميعاد ينتهي في آخر فبراير من كل سنة، ولكن رئي أن هذا التحديد قد يضر بمن تنتهي سنته المالية بين أول يناير وآخر فبراير إذ يجب عليه أن يقدم إقراره قبل أول مارس وهو يميز من تنتهي سنته المالية بعد أول مارس فله أن ينتظر حتى آخر فبراير من السنة التالية، ولذلك عدلت المادة (48) بأن جعل الموعد بالنسبة للممولين الذين يختتمون سنتهم المالية في تاريخ 31 ديسمبر في خلال شهرين من تاريخ انتهاء السنة المالية (تراجع المذكرة الإيضاحية للقانون سالف الذكر).
وقد تثور صعوبة في حالة تعدد منشآت الممول واختلاف السنة المالية لكل منشأة فهل يقدم الممول إقرارًا عن كل سنة مالية وما ميعاد ذلك الإقرار ولكن هذه الصعوبة تزول إذا اعتبرنا هذه المنشآت أوجهًا لنشاط الممول ولما كان الإقرار يجب أن يتضمن جميع أوجه نشاط الممولين ولما كان معرفة الممول لمجموعة الأرباح لا تأتي إلا بعد ختام سنته المالية الأخيرة كان من الواجب الانتظار حتى انتهاء السنة الأخيرة، ويحتسب هذا الميعاد ابتداءً من انتهاء هذه السنة المالية الأخيرة.

مكان الإقرار

نصت على ذلك م (43)، (48) فأوجبتا تقديم إقرار إلى مصلحة الضرائب - وجاء بالمادة (102) من القانون أن المقصود بعبارة مصلحة الضرائب في هذا القانون وزارة المالية والمصالح أو الموظفين الذين يعهد إليهم بمقتضى القوانين والمراسيم واللوائح في تنفيذ هذا القانون.
وقد ذهب البعض مستندين إلى م (102) إلى القول بأنه يجوز تقديم الإقرار إلى وزارة المالية فما دام الشارع أوجب تقديم الإقرار إلى مصلحة الضرائب وما دام القانون قد حدد في مواده مصلحة الضرائب بأنها وزارة المالية أو غيرها فيكون تقديم الإقرار إلى وزارة المالية تقديمًا صحيحًا وموفيًا لالتزام بالإقرار الجنحة رقم (221) سنة 1946.
وعندي أن هذا الرأي لا يتفق مع نصوص القانون لأنه إذا كان الشارع قد حدد في المادة (102) المقصود بعبارة مصلحة الضرائب إلا أننا يجب أن نفسر هذا الحكم على ضوء المواد الأخرى التي اشتمل عليها القانون وقد نصت م (104) على أنه لوزير المالية أن يصدر ما يقتضيه العمل من القرارات واللوائح التنفيذية.
وتنفيذًا لهذه المادة أصدر وزير المالية اللائحة التنفيذية التي حددت الجهة التي يقدم إليها الإقرار فقالت (يرسل الإقرار إلى مأمور الضرائب الكائن في دائرتها اختصاصه مركز إدارة المنشأة أو محلها الرئيسي)، وظاهر من مراجعة هذه المادة أن إرسال الإقرار والوثائق المؤيدة له إلى هذه الجهة وحدها وجوبي وإلا لاستعمل الشارع صيغة الجواز كما فعل حينما طلب تقديم الإقرار على النموذج رقم (14) فقال (ويقدم الإقرار على النموذج رقم (14) أو على أية ورقة أخرى حاوية كافة البيانات الواردة به).
وقد أكد الشارع هذا النظر في م (20) من اللائحة فقال (ويقدم الإقرار على النموذج رقم (15) أو على أية ورقة أخرى مشتملة على كافة البيانات الواردة به إلى مأمور الضرائب الواقع في دائرة اختصاصه المحل الرئيسي للمنشأة.
فكأن إذن المادتين الثامنة عشر والعشرين قد فسرتا المقصود من عبارة مصلحة الضرائب في صدد تطبيق م (43)، (48) وفسرا مدلول هذه العبارة التي وردت في مواد متفرقة من قانون (14) لسنة 1939، ولا محل للاستناد إلى ما ورد في المادة (102) في تفسير المقصود بعبارة مصلحة الضرائب لأن هذه العبارة وردت في مواد كثيرة متفرقة فكان من الطبية أن تتعدد الجهات التي تصدق عليها هذه العبارة بالنسبة لجميع مواد القانون وكان من الواجب أن تأتي المادة (102) جامعة لهذه الأماكن التي تصدق عليها عبارة مصلحة الضرائب بالنسبة لجميع مواد القانون.
أما تحديد مدلول هذه العبارة بالنسبة لكل مادة على حدة فمرجعه إلى اللائحة التنفيذية وهي في هذا تكشف إرادة الشارع ولا تنشئ حكمًا جديدًا يتعارض مع نصوص القانون (تراجع المواد التي وردت باللائحة وبخاصة (5)، (28)).
ولم يستلزم الشارع طريقًا خاصًا لتقديم الإقرار فيجوز تقديمه بالتسليم أو باليد ولكنه فيما وضع من وسائل للتثبت من الإقرار أجاز لإدارة الضرائب الالتجاء إلى البريد الموصي عليه مع علم الوصول إسراعًا في ربط الضريبة وتبسيطًا للإجراءات.

جرائم الإخلال

إذا تبين أن شخصًا يخضع لضريبة الأرباح التجارية وجب عليه القيام بواجب الإقرار فإذا أخل بالتزامه تفرض عليه عقوبة جنائية تختلف باختلاف صور الإخلال التي تنحصر في الآتي:
( أ ) أن يكون الإخلال بالامتناع عن الإقرار ببياناته وأوراقه وفي ميعاده ومكانه.
(ب) أن يحصل الإخلال بواجب الصدق.
(ج) أن يكون الإخلال بوسيلة من وسائل فحص الإقرار.
1 - الإخلال بالإقرار بالامتناع عنه:
يحدث هذا الإخلال بالامتناع عن تقديم الإقرار ببياناته وأوراقه وفي ميعاده وفي مكانه وقد عرفنا في مدى الإقرار هذه الأركان ونضيف إليها بأن الالتزام بالإقرار التزام قانوني يقع على عاتق الممول دون مطالبة - بقي علينا أن نتحدث عن:
1/ طبيعة جريمة الامتناع.
2/ عقوبة الجريمة.
1/ طبيعة الجريمة:
لا جدال في أن هذه الجريمة جريمة سلبية تتم بالامتناع عن الوفاء بالالتزام بالإقرار بقيوده التي ذكرناها ولكن هنالك محلاً للتساؤل عما إذا كانت هذه الجريمة جريمة وقتية أم جريمة مستمرة ولا يخفى ما لهذا البحث من قيمة بالنسبة لسقوط الدعوى العمومية.
ولقد ذهب البعض إلى القول بأن جريمة الامتناع عن تقديم الإقرار جريمة وقتية تتكون من أمر يحدث في وقت محدود وتنتهي بمجرد ارتكاب هذا الأمر فما دام الشارع قد حدد أجلاً معينًا لتقديم الإقرار فإن الجريمة تقع وتنتهي بانتهاء الميعاد المحدد لها وبالتالي هي جريمة وقتية.
وإني في صدد مناقشة هذا الرأي لا أود التعرض للخلاف القائم حول طبيعة الجرائم التي يستلزم فيها القانون أداء واجب في أجل معين، هل هي جريمة وقتية لأنها تقع وتنتهي بمجرد انتهاء الميعاد المحدد لها أم هي جريمة مستمرة لأنها جرائم ترك مستمر تتجدد في كل وقت بإرادة الجاني (جندي بك جزء ثالث صـ 39 - الدكتور السعيد مصطفى صـ 750).
لا أود التعرض لهذا الخلاف لأن الشر كفانا مؤونة هذا البحث بما نص عليه في م (49) فقال (يظل الممول ملزمًا بتقديم الإقرار ولو كان تحديد الأرباح حاصلاً بطريق التقدير)، ولما كانت جهة الضرائب لا تلجأ إلى التقدير إلا في حالتي الامتناع وعدم الاقتناع فإن مقتضى هذا النص أن يظل الممول ملزمًا بتقديم الإقرار ولو بعد الامتناع أي حتى بعد انتهاء ميعاد الإقرار وكان الشارع يعتبر هذه الجريمة جريمة مستمرة شأنها في ذلك شأن جرائم المواليد.
وقد أثارت طبيعة الجريمة عدة مسائل:
1) متى تبدأ مدة سقوط الدعوى العمومية في هذه الجريمة - إن هذه المدة تبدأ بداهة بمجرد قيام الممول بأداء التزامه وهي تبدأ أيضًا من وقت زوال صفة الممول كممول يخضع لضريبة الأرباح التجارية لأن الالتزام بتقديم الإقرار مرتبط بالالتزام بالضريبة فمن لا يخضع لضريبة الأرباح التجارية لا يجب عليه تقديم الإقرار وبالتالي من زالت عنه صفة الخضوع لهذه الضريبة يرتفع عنه الالتزام بتقديم الإقرار يؤيد هذا النظر أن الشارع عبر بقوله (يظل الممول) أي أن الاستمرار لا يلحق إلا الممول، كما تبدأ هذه المدة بسقوط حق المطالبة بالضريبة لأن الإقرار وسيلة تقدير الضريبة فإذا كانت الضريبة قد سقطت لحق ذلك الوسيلة.
2) إذا كانت مدة سقوط الدعوى العمومية بمضي المدة تبدأ من وقت انقضاء الضريبة بالتقادم فهل تظل هذه الصلة قائمة رغم أن الشارع قد أطال مدة التقادم عن سنوات 1938 - 1941 بقانون صادر في سنة 1944.
لقد ثار الخلاف بين الشراح حول مدى تأثر المهم بقانون جديد يعدل من قواعد التقادم فذهب البعض إلى القول بأنه لا يطبق على المتهم سوى القانون الساري وقت ارتكاب الجريمة لأنه القانون الذي عول عليه المتهم والنيابة في احتساب المدة التي يجوز فيها رفع الدعوى وهذا الرأي أخذ عليه أنه يتناسب أن قواعد مضي المدة في القانون الجنائي من النظام العام - وذهب آخرون إلى القول باحتساب نسبة الوقت الذي مضى في ظل القانون القديم فإذا كان الوقت الذي مضى نصف مدة التقادم القديم احتسب من مدة التقادم في القانون الجديد نصفها وهو رأي لا يستند إلى مبدأ قانوني.
ورأى بعض الشراح أن قواعد مضي المدة هي قواعد موضوعية لا تسري على الماضي إلا إذا كانت أصلح للمتهم لأنها تحدد شرط العقاب وحالات انعدامه وتوازي في أثرها العفو.
والرأي الذي أيدته محكمة النقض الفرنسية مبناه أن قواعد مضي المدة قواعد شكلية لأنها تحدد شروط المحاكمة ولأنها وردت في قانون تحقيق الجنايات فيجب تطبيق القانون الجديد سواء كان مشددًا أو مخلفًا لأنه لمصلحة المجتمع لا لمصلحة المتهم والفرض فيه أنه خير من سابقه (على بدوي بك صـ 238).
3) هل يلزم مدير الشركة الذي يعين بعد انتهاء ميعاد الإقرار بتقديم الإقرار إذا ما لحقته حالة الاستمرار، قد يقال بأن حالة الاستمرار توجب مسؤولية صاحبها إذا صدر قانون جديد يعاقب عليها ولم يكن معاقبًا عليها من قبل، فكذلك تجب مسؤولية من لحقته هذه الحالة، ولو لم يكن مسؤولاً عنها من قبل، ولأن الشارع جعل الاستمرار على عاتق من يقع عليه عبء الضريبة وهو الشركة والممثل الجديد هو الذي يقوم بأعبائها، وأنني أرى أن المشرع لم يرد بهذا النص خلق التزام جديد بعد انتهاء ميعاد تقديم الإقرار وإنما أراد أن يستمر تنفيذ هذا الالتزام بالنسبة لمن وجب عليه فمن لم يدركه هذا الالتزام في ميعاده الذي حدده الشارع لا يلزم بأدائه وقد دل الشارع على ذلك صراحةً بقوله (يظل) أي أن الحكم يقتصر على من وقع عليه عبء أداء الالتزام ولأن الأخذ بالرأي العكسي يدعو للتساؤل عن الميعاد الذي يجب على من عين في الشركة حديثًا أن يؤدي فيه واجبه وكيف يكون تحديد هذا الميعاد.
4) هل يجوز لإدارة الضرائب أن تحرر محضرًا جديدًا إذا أصر المتهم على امتناعه بعد صدور حكم نهائي بالعقوبة، قد يقال بأن الحكمة في استمرار التزام الممول بتقديم إقرار بعد تقدير الضريبة هي رغبة الشارع في تعرف حالة الممول لعل أن يكون في إقراره ما ينبئ عن نشاط لم تهتدِ إليه مصلحة الضرائب، وعلى ذلك لا يجوز تحرير هذا المحضر ومساءلة المحكوم عليه إلا إذا أثبتت أن هنالك نشاطًا جديدًا، ولكنني أرى أن هذا الالتزام مطلق وأن اعتبار هذه الجريمة جريمة مستمرة يستتبع محاكمة الجاني إذا ما استمرت حالة الاستمرار بعد صدور الحكم عليه، مثل هذه الحالة كمثل من يدير محله دون رخصة صحية تجب مسألته حتى ولو كان المحل مستوفيًا جميع الشرائط الصحية.
5) إذا كان الشارع قد اعتبر الالتزام بتقديم الإقرار واجبًا كل سنة واعتبر الإخلال به جريمة مستمرة فهل معنى ذلك أن الممول الذي امتنع سنوات متتالية عن أداء التزامه يكون قد ارتكب جريمة واحدة مستمرة متجددة الحدوث ولا يقضي عليه إلا بعقوبة واحدة عن هذه السنوات جميعها أم أنه ارتكب جرائم مستقلة يحاسب عن كل منها.
قد يقال بأن الشارع وقد اعتبر الامتناع عن تقديم الإقرار جريمة مستمرة واعتبر الالتزام مستمرًا فإذا ما أدركته سنة تالية اتصل هذا الالتزام بالأول وتتابعت حالة الاستمرار التي بدأت منذ الإخلال الأول بحيث يعتبر الإخلال في كل سنة حلقة متصلة في حركة جنائية واحدة وصورة من صور الاستمرار في جريمة مستمرة موضوعها الامتناع عن تقديم الإقرار وفاعلها شخص واحد والحق المعتدي عليه هو حق الخزانة وقد يؤيد هذا الرأي ما جرى عليه الأمر العسكري رقم (361) فقد نص على وجوب تقديم الإقرارات عن السنوات السابقة على سنة 1943 في نص واحد وحدد لها ميعاد واحدًا فكأنه اعتبر الإخلال في كل سنة صورة من صور هذه الجريمة المستمرة كما أنه أكد هذا الاتجاه بتقرير عقاب واحد على من يمتنع عن تقديم الإقرارات وقال (يعاقب من يخالف أحكام هذا الأمر بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين فكأن إذن من يخالف أحكام هذا الأمر بأن لم يقدم إقراره عن عدة سنوات يعاقب بعقوبة واحدة.
وأنني أرى أن الشرع وقد فرض الإقرار في كل سنة مالية قد اعتبر الإخلال به جريمة مستقلة عن الإخلال الذي يحدث في سنة بعدها فهنالك اختلاف في الركن المادي لكل من الجريمتين ففي الأول الامتناع عن تقديم الإقرار عن النشاط الحاصل في خلال هذه السنة وفي الثانية عن النشاط الحاصل فيها فإذا تعددت السنون تعددت الجرائم لأنها جرائم مستقلة ومثل الممول كمثل من يفتح محلين في فترتين متعاقبتين هل يقال بأنها جريمة واحدة عن فعل واحد، فالركن المادي في جرائم الامتناع عن تقديم الإقرار محدد بالزمان وفي جريمة فتح المحلين محدد بالمكان وقد يحدد بالزمان والمكان كمن يقود السيارة دون رخصة قيادة فعلاً.
ولا محل للاستناد إلى ما ورد بالأمر العسكري رقم (361) إذ أن الشارع قصد من هذا الجمع تشديد العقوبة على كل منها بنص واحد لا جمع هذه الأفعال واعتبارها جريمة مستمرة لأن كل منها ركنًا ماديًا مستقلاً، وقد حرص الشارع على تأكيد ذلك فقال (على الممولين أن يقدموا هذه الأوراق عن تلك السنة وعن أية سنة مالية سابقة).
6) إذا سلمنا بأنها جرائم مستقلة هل يكون للممول أن يتمسك بما تقضي به المادة (32) بأنه إذا وقعت عدة جرائم لغرض واحد وكانت مرتبطة ببعضها بحيث لا تقبل التجزئة وجب اعتبارها كلها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم وقد يقال بأن هذه الجرائم قد ارتكبت لغرض واحد وهو الإفلات من الضريبة ومن ثم يقضي عليه بالعقوبة الأشد، ولكنني أميل إلى القول بأنه لا يكفي لتطبيق م(32) وحدة القصد أي أن ترتكب هذه الجرائم لغرض واحد بل يجب أن تقوم بينها رابطة لا تقبل التجزئة ولما كانت هذه الجرائم تفصل بين كل منها فترة زمنية ليست بالقصيرة فلا يمكن القول بأن بينها رابطة لا تقبل التجزئة.
2/ عقوبة الجريمة:
نصت عليها م (80) وهي غرامة لا تزيد على ألفي قرش، ثم شدد الأمر العسكري هذه العقوبة وجعلها الحبس الذي لا يتجاوز ثلاث شهور وغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين وهنالك جزاء آخر كان تقريره محل خلاف بين المحاكم وهو زيادة الضريبة وليست قيمتها باليسير فقد تصل إلى ملايين الجنيهات في قضية واحدة.
فقد ذهبت بعض المحاكم إلى القول بأن زيادة الضريبة التي نص عليها القانون وقدرها 25 % إلى ثلاثة أمثالها والزيادة التي نص عليها الأمران العسكريان وقدرها ثلاثة أمثالها لا يقضي بها في حالة الامتناع عن تقديم الإقرار وإنما تكون في حالة الامتناع عن أداء الضريبة مستندة في ذلك إلى أن الامتناع عن دفع الضريبة المستحقة بعد تحديدها يختلف في طبيعته عن حالة تقديم الممول التقرير عن حالته المالية من حيث الربح أو الخسارة إذ تتحقق في الأولى الرغبة في تضييع الحق في الحصول على الضريبة بخلاف الحال في الامتناع عن تقديم الإقرار حيث تكون حالة الممول مجهولة فلا يعرف عنه ما إذا كان قد ربح أرباحًا تستحق عنها الضريبة أو أنه لم يربح - وعلى ضوء هذه التفرقة بين النوعين المتباينين في طبيعتهما يجب التفرقة بين العقوبات التي توقع على كل منهما فلا يوقع على واحدة منها عقوبة لا تتفق وطبيعة الجريمة فإذا كانت الجريمة هي الامتناع عن الوفاء كانت العقوبة هي الغرامة وزيادة ما لم يدفع من الضريبة بالنسبة التي نص عليها لأن الحكم في هذه الحالة يصدر بمبلغ معين على سبيل التحديد بعد أن تكون الضريبة قد تحددت أما في حالة عدم تقديم الإقرار المبين لحالته المالية فإنه يمتنع على المحكمة أن تقضي بهذه الزيادة لأنها عقوبة لا تصادف محلاً لها، فضلاً عن كونها غير مقدرة بوجه نافٍ لجهالتها بل هي غير مقدرة أصلاً والشارع منزه عن القصد إلى إصدار أحكام مجهلة وغير مقدرة أصلاً، إذ الأحكام الجنائية تصدر منجزة وهي غير خاضعة لتقدير جهة غير الجهة التي أصدرت الحكم فالمشرع إذ نص في المادة (85) على العقوبات التي رأى توقيعها يجب أن ينزه عن القصد إلى مخالفة هذه الأحكام والمبادئ الأساسية العامة لما في هذه المخالفة من مجافاة لأصول التقنين (محكمة مصر الاستئنافية في القضايا رقم (929)، (768)، (769)، (752)، (732)، (733)، (730)، (560)، (395)، (396)، (397)، (324)، (273) نيابة ضرائب القاهرة ومحكمة مصر المختلطة في القضية رقم (76) سنة (71) ق)، وخالفتها النيابة العامة مستندة في ذلك إلى:
1) أن هذا الحكم يُخالف ما نصت عليه المادة (85) التي قررت جزاءً على مخالفة حكم المادتين (43)، (48) وهما الغرامة والتعويض ويتناقض مع ما قضت به المادة الثانية من الأمر العسكري رقم (361) التي نصت على أنه في جميع الأحوال يحكم بزيادة ما لم يدفع من الضريبة بمقار يعادل ثلاثة أمثالها - وظاهر من مراجعة المادة (85) أن الشارع عبر صراحةً في أن التعويض واجب في حالة مخالفة حكم المادتين (43)، (48) وأكد هذا الفهم عندما ذكر في المادة (47) نفسها أن تقدير المصلحة في حالة الامتناع عن تقديم الإقرار لا يعفي من الجزاءات المشار إليها في المادة (5)، وهو لفظ يفيد تعدد الجزاء فإذا كان الجزاء قاصرًا على الحكم بالغرامة فكيف يذكر الشارع الجزاء بصيغة الجمع - وكيف يتعمد اختيار هذا اللفظ حتى يجعل الجزاء شاملاً لعقوبة جنائية أصلية وأخرى مزيج من العقوبة والتعويض، كما يبين من مراجعة المادة الثانية من الأمر العسكري رقم (361) أن الشارع قد قضى بالعقاب على ثلاث جرائم:
الأولى: وهي عدم تقديم الإقرار.
والثانية: وهي عدم الوفاء بالضريبة المتفق على أساسها.
والثالثة: وهي عدم الصدق في البيانات، وعبر صراحةً بأن التعويض واجب في هذه الحالات الثلاث بقوله (في جميع الأحوال)، ولو كان يقصر التعويض على حالة عدم الوفاء بالضريبة المتفق عليها والغش في البيانات لما عبر صراحةً بصيغة الجمع، بل لأردف بصيغة المثني ولما وضع عبارته في عجز المادة حتى تدل بعبارتها وموضعها على أن حكمها عام يشمل هذه الحالات الثلاث، وأبلغ من ذلك في تأكيد هذا المعنى ما نصت عليه المادة (3) من الأمر العسكري رقم (361) من أن الممول الذي تأخر في تقديم الميزانيات والبيانات والوثائق التي يقضي بها القانون رقم (14) لسنة 1939 وأداء الضريبة المستحقة..، يعفى من الجزاءات المقررة في هذين القانونين إذا قام بما توجبه المادة الأولى من هذا الأمر...، وكلمة الجزاءات هنا بصيغة الجمع تدل على أن الجزاء ليس مقصورًا على الغرامة والحبس فقط، وإنما يقصد بها جميع الجزاءات المنصوص عليها.
وقد أكد الشارع هذا الحكم في الأمر العسكري رقم (362) الذي صدر بعد الأمر السابق بأيام فقال (وتطبق العقوبات المقررة في المادة (3) من الأمر العسكري رقم (361) والزيادة المبينة فيها على كل من يخالف أحكام الفقرة السابقة) وظاهر بجلاء أن الفقرة السابقة تشتمل على جريمتين:
الأولى: وهي عدم تقديم الإقرار:
والثانية: وهي عدم تسديد الضريبة على أساسها.
2) هذا القضاء لا يتمشى مع طبيعة هذه الجرائم التي اشتمل عليها الأمران رقما (361)، (362) فقد اعتبر الشارع كلاً منها طريقًا من طرق التهرب عن أداء الضريبة، وعاقب على كل منها بنص واحد فالممول الذي يسعى للفرار من الضريبة قد يصل إلى غرضه إما بالغش في البيانات والوثائق التي يقدمها وإما بعدم تقديم الإقرار والوثائق المؤيدة له فيعطل بذلك عمل الجهة التي تتولى تحصيل الضريبة وإما بعدم سداد الضريبة رغم تقديم الإقرار - ولذلك حرص الشارع على جمعها في مادة واحدة (تراجع مضبطة الجلسة 42 لمجلس الشيوخ بتاريخ 14/ 11/ 1938 صـ 1041) كما جعل التعويض عنها واحدًا وهو ثلاثة أمثال ما لم يدفع من الضريبة - فهذه الجرائم تجمعها وحدة الغرض فلا محل إذًا لهذه التفرقة التي ذهب إليها أصحاب الرأي الأول.
3) أن هذا القضاء يتناقض مع منطق العقاب - ويؤدي إلى نتيجة غير مقبولة وهي أن من يقدم إلى مصلحة الضرائب إقراره وأوراقه ثم يتوانى عن أداء الضريبة يكون أسوأ حالاً ممن يمتنع عن القيام بهذا الواجب ثم لا يقوم بسداد الضريبة:
فالأول: يحكم عليه بثلاثة أمثال الضريبة،
والثاني: لا يحكم عليه مع أن كليهما لم يسدد الضريبة ومع أن الثاني كان أكثر مجافاة لأوامر التشريع ولا محل للقول بأن الشارع لم يغفل عن وصف علاج لحالة امتناع الممول عن تقديم الإقرار بأن تقوم مصلحة الضرائب بتقدير الضريبة ثم تطالبه بأدائها فإن امتنع استهدف للحكم بإلزامه بثلاثة أمثالها، لمخالفته للمادة (53) - كما قيل بذلك إذ أن هذا القول لا تؤيده نصوص القانون لأن الشارع لم يضع جزاء على مخالفة المادة (53) فهي ليست من بين المواد التي شملتها المادة (85) من القانون رقم (14) لسنة 1939، بل أن الأمرين العسكريين أيضًا لا يعاقبان على هذه الحالة فالممول الذي يمتنع عن تقديم الإقرار ثم يمتنع عن أداء الضريبة التي قدرتها مصلحة الضرائب بعد هذا الامتناع لا تجوز محاكمته عن الامتناع عن أداء الضريبة إذ لا نص على العقاب لأن الأمرين العسكريين حينما تحدثا عن الامتناع عن أداء الضريبة - يقصدان الامتناع عن أدائها بعد تقديم الإقرار.
فالأمر العسكري رقم (361) يوجب في مادته الأولى في الفقرة الثانية على الممول أن يدفع للخزانة على أساس البيانات والأرقام المقدمة منه... مع احتفاظ مصلحة الضرائب بحق مناقشة هذه الأرقام إلى أن يتم الربط النهائي وعندئذٍ يلزم الممول بدفع الفرق طبقًا للأوضاع المقررة، ولقد أكد الشارع هذا الحكم في الأمر العسكري رقم (362) فقال (يكون جميع الممولين ملزومين بأداء الضريبة المستحقة... على الوجه المبين في المادة الأولى فقرة ثانية من الأمر رقم (361)).
4) المصدر التاريخي وهو القانون الفرنسي الذي يجعل هذه الزيادة واجبة في حالة الامتناع عن الإقرار أو التأخير فيه (بوكيه جزء ثانٍ صـ422).
5) أن ما ذهبت إليه المحاكم من أن الأحكام الجنائية يجب أن تصدر منجزة وغير خاضعة لتقدير جهة غير الجهة التي أصدرت الحكم ومن أن القضاء بالتعويض في هذه الحالة هو القضاء بأمر مجهل لا محل له لأن الشارع قد نص في المواد (47) وما بعدها على طريقة تقدير الضريبة في حالة عدم تقديم الإقرار وجعل الجهة التي تتولى التقدير عند عدم الاتفاق هي الجهة القضائية، فهل يكون التعويض إذًا مجهلاً والشارع قد ترك نصابه في يد القضاء، وهل هذه الحالة تختلف عن حالة القضاء بتعويض مؤقت كما هو الحال في الحوادث الجنائية.
6) لا محل للقول بأن عبارة ثلاثة أمثال ما لم يدفع من الضريبة تشعر أن هنالك مبلغًا واجب الأداء أي أن الزيادة يقضي بها في حالة عدم الوفاء إذ أن قصد الشارع من هذه العبارة جعلها تتسع لحالة عدم الوفاء بكل الضريبة أو بجزء منها وفي حالة الامتناع عن الإقرار لا يكون الممول قد أدى شيئًا من الضريبة، وفضلاً عن ذلك فإن المحكمة الجنائية إن شاءت أن تتعرف مقدار الضريبة كان لها بل عليها أن تستعين بمأمور الضرائب وبمن ترى من الشهود للوصول إلى الحقيقة، لأن تحقيق ظروف الدعوى هو من واجبات المحكمة الجنائية.
وقد قضت محكمة النقض في 11/ 3/ 1947 بقبول طعن النيابة ورأت أن على المحكمة الجنائية أن تقضي بالزيادة ولكن يجب عليها أن تتبين مقدار الضريبة وأن تبينها في حكمها كما يجب عليها للقضاء بالزيادة طبقًا للأمر العسكري استظهار سوء قصد الممول فإذا كان عدم تقديم الإقرار مرجعه الإهمال لم يكن لها سوى القضاء بالزيادة طبقًا للمادة (85) من القانون رقم (14) سنة 1939.

طبيعة الزيادة

لم يقتصر الخلاف حول تقرير الزيادة بل شمل طبيعتها ولا شك أن معرفة طبيعة هذه الزيادة تهم لجواز الحكم بإيقاف تنفيذها وفي سقوط الحكم بمضي المدة أو بوفاة الممول.
وقد اختلفت وجهات النظر في بيان طبيعة هذه الزيادة، فالمحاكم الفرنسية مع بعض الشراح المصريين (الأستاذ يوسف تادرس - الأحكام العامة للضرائب صـ 93) ترى أن هذه الزيادة لها صفة مختلطة فهي عقوبة من جهة وتعويض مدني من جهة أخرى (الدكتور الرفاعي بك في الضرائب المباشرة صـ 418 مجلة سري سنة 1923 القسم الأول صـ 63).
وذهب آخرون إلى القول بأن هذه الزيادة عقوبة جنائية لأنه إذا اعتبرت الزيادة تعويضًا مدنيًا فإن مقدارها كان يجب أن يتحدد بالضرر الذي لحق الخزانة (الدكتور الرفاعي بك في الضرائب المباشرة صـ 418).
وهنالك رأي ثالث يرى أن هذه الزيادة ليست تعويضًا وليست عقوبة وإنما هي زيادة للضريبة (حبيب باشا صـ 662 بوكيه جزء خامس صـ 476).
وعندي أننا في تحديد طبيعة هذه الزيادة يجب الرجوع إلى ما جرت عليه التشريعات المالية وما فسر به القضاء هذه التشريعات، ففي جنح الدمغة يقضي بثلاثة أمثال الرسم وقد اعتبرت محكمة النقض هذا القضاء قضاءً بمزيج من العقوبة والغرامة (محاماة س 22 صـ 212) كما أنها ذهبت إلى هذا الرأي في جنح الإنتاج (الطعن رقم (664) سنة 13 قضائية مذكور بمنشور النائب العام رقم (11) سنة 1946) كما ذهب بعض الأحكام إلى هذا الرأي بالنسبة للغرامة الجمركية ولكن محكمة النقض اعتبرتها تعويضًا (جندي بك عبد الملك جزء خامس صـ 119).
على ضوء الأحكام وما استندت إليه تلك الآراء يمكن تحديد طبيعة هذه الزيادة فإن سبب تردد الشراح الفرنسيين في وصف طبيعة هذه الزيادة يرجع إلى صفة الهيئة التي توقع هذه الزيادة فمأمور الضرائب هو الذي يأمر بها، كما أنها تساير الضريبة في الجهات التي تفصل في الطعن فيها، وإن علة تردد قضائنا المصري في وصف هذه الزيادة في قوانين الدمغة والإنتاج أن الشارع نص صراحةً على أنها تعويض كما أنه في الغرامة الجمركية قد جعلها من اختصاص اللجنة الجمركية كما جعل الفصل في طعونها من اختصاص المحاكم المدنية.
أما بالنسبة للزيادة في قانون الضريبة على الأرباح التجارية فليس الأمر كذلك إذ أن الشارع لم يصفها بالتعويض كما أنه جعل توقيعها من اختصاص الجهة القضائية كما أنه لم يجعل قدرها بقدر الضريبة المستحقة حتى تقتصر على صفة التعويض بل جعلها ثلاثة أمثال الضريبة مما لا يدع مجالاً للشك في أنها عقوبة تكميلية يقضي بها في الحالات التي يكون الباعث عليها الطمع كما فعل الشارع في كثير من جرائم قانون العقوبات.
2 - الإخلال بواجب الصدق:
هذا الإخلال يحدث في عدة صور فقد يكون دور الممول سلبيًا بأن يذكر رقمًا صحيحًا لأرباحه ولكنه يقتصر على جزء من نشاطه كأن يتجر في الحرير والقطن فيذكر في إقراره أرباحه من القطن ويكون إقراره بذلك إقرارًا ناقصًا.
وقد يتخذ دورًا إيجابيًا فيثبت رقمًا غير صحيح لمجموع أرباحه عن التجارتين فيكون إقراره غير صحيح، وقد يمعن في هذا الكذب فيؤيده بأوراق كاذبة من عنده.
وقد يسرف في هذا الإمعان فيؤيده بأدلة خارجية تكفي لتوفر جريمة النصب.
فهل مثل هذه الصور تعتبر طرقًا احتيالية للفرار من الضريبة، وهل لنا في تفسير الطرق الاحتيالية التي تستعمل للفرار من الضريبة نجتزئ بهذا الموقف السلبي أن نستلزم عملاً إيجابيًا وهل لنا أن نستلزم في هذا العمل الإيجابي أن يكون مؤيدًا بأوراق وهل لنا أن نستوجب أن تكون هذه الأوراق تنهض لقيام ركن الاحتيال في جريمة النصب.
للإجابة على هذا السؤال يجب الرجوع إلى القانون الفرنسي ثم نتبين على ضوئه أحكام قانون الضرائب ثم نستعرض ما أدخلته الأوامر العسكرية من تعديل.
ففي القانون الفرنسي يفرقون بين الجزاءات المالية Mojoration التي توقعها إدارة الضرائب وبين العقوبات الجنائية التي توقعها المحاكم الجنائية.
فالجزاءات المالية توقع على الكذب سلبيًا أم إيجابيًا دعم بوسائل خارجية أم لم يدعم بشرط أن يخفي هذا الكذب ما يزيد على عشر الضريبة أو مبلغ عشرين ألف فرنك، وقدر هذه الزيادة ضعف الضريبة التي أخفيت.
أما العقوبات الجنائية فهي توقع من المحكمة الجنائية إلى جانب ما توقعه إدارة الضرائب من جزاءات مالية في حالة واحدة وهي حالة استعمال طرق احتيالية للفرار من أداء الضريبة وبشرط أن يكون ما أخفى يزيد على عشر الضريبة أو على مبلغ 20 ألف فرنك، وهم في تفسير الطرق الاحتيالية لا يستلزمون أن تصل هذه الطرق الاحتيالية إلى مرتبة الطرق الاحتيالية المكونة لجريمة النصب بل يفسرون الطرق الاحتيالية بأنها الوقائع المادية التي تحيط بالإقرار لغش إدارة الضرائب وعلى ذلك تعتبر من الطرق الاحتيالية تقديم ميزانية مزورة وتكرار الأخطاء المادية والأخطاء الجسيمة في الحساب والتصليحات المتعددة في الدفاتر واستعمال دفاتر مزورة، وترك قيد مبلغ في الدفاتر، ولكن مجرد الكذب في الإقرار لا يكفي وده للعقاب (بوكيه جزء خامس صـ 466 كتاب Théorie de la Fraude. Lerouge p. 52).
أما القانون المصري فقد نص على عقاب الطرق الاحتيالية في م (85) فقالت (يعاقب بالعقوبة والزيادة المشار إليها في الفقرة السابقة كل من استعمل طرقًا احتيالية للتخلص من أداء الضريبة المنصوص عليها في هذا القانون وذلك بإخفاء أو محاولة إخفاء مبالغ تسري عليها الضريبة وجاء الصيغة الفرنسية لهذه المادة تختلف عن الصيغة العربية إذ ورد بالأولى.

(Quiconque en employant des manoeuvres frauduleuses a dissimulé ou tenté de dissimuler des sommes auxquélles s’appliquent les impôts visés par la présent loi)

فالصيغة العربية تشعر بأن الإخفاء طريق من طرق الاحتيال بينما الصيغة الفرنسية تدل على أن الإخفاء هو غاية استعمال الطرق الاحتيالية.
على أساس هذا الاختلاف تفرع خلاف بين وجهات النظر في تحديد مدى الطرق الاحتيالية فذهب البعض إلى القول بأن الطرق الاحتيالية تتوفر بمجرد إخفاء مبالغ تسري عليها الضريبة سواء كان ذلك الإخفاء سلبيًا بالاقتصار على جزء من نشاطه أم إيجابيًا بتغيير رقم أرباحه وذلك لأن الشارع قد أوضح في المادة (85) في الصيغة العربية أن الإخفاء ينهض طريقًا من طرق الاحتيال واللغة العربية هي لغة البلاد (الأستاذ يوسف تادرس صـ 83) وذهب آخرون إلى القول بأنه يجب أن تفسر الطرق الاحتيالية على ضوء نصوص القانون الأخرى بحيث يقصر مدلول هذه العبارة على ما يعتبر من الطرق الاحتيالية في جريمة النصب (المرجع السابق).
وعندي أن كلا الرأيين قد جانبا الصواب فلا يلزم لتوفر الطرق الاحتيالية أن تصل الأعمال التي يأتيها الممول إلى مرتبة الطرق الاحتيالية في جريمة النصب لأن مثل هذا القول يضيق من دائرة النص ويتناقض مع ما جرى عليه القضاء والفقه الفرنسيان في تفسير الطرق الاحتيالية في القوانين المالية التي أخذ منها القانون المصري بل أن القانون المصري جاء في صيغته الفرنسية مطابقًا لنص القانون الفرنسي ومن ناحية أخرى لا يكفي لتوفر الطرق الاحتيالية أن يقدم الممول إقرارًا ناقصًا أو إقرارًا غير صحيح دونه أن يؤيد هذا الإقرار الكاذب بأدلة خارجية وذلك للأسباب الآتية:
1/ أن الصيغة الفرنسية تدل على أن الإخفاء هو غاية الطرق الاحتيالية ويتفق في هذا مع القانون الفرنسي الذي أخذت منه نصوصنا فيجب أن تفسر عبارة الطرق الاحتيالية على ضوء ما فسرت به هذه العبارة في التشريع الفرنسي ولما ورد بالصيغة الفرنسية يؤكد هذا التفسير.
2/ أن (عبارة وذلك بإخفاء أو محاولة إخفاء مبالغ تسري عليها الضريبة) هذه العبارة لا تدل على أن الإخفاء أي الكذب الإيجابي أو السلبي طريق من طرق الاحتيال لأننا لو سلمنا بهذا الرأي كان لنا أن نتساءل متى تكون محاولة الإخفاء طريقًا من طرق الاحتيال هل يعقل أن الشارع يعاقب على محاولة الكذب لذلك يجب علينا أن نحمل هذه العبارة على أنها توضيح لعبارة (للتخلص من أداء الضريبة المنصوص عليها في هذا القانون كلها أو بعضها)، وهي العبارة التي لا أصل لها في الصيغة الفرنسية، وعلى أنها بذلك تشير إلى الغاية من استعمال الطرق الاحتيالية فيتوفر الإخفاء إذا ما أفلحت الطرق الاحتيالية في غش إدارة الضرائب وربطت الضريبة على أساس هذا الكذب وتكون محاولة الإخفاء إذا ما افتضحت هذه الطرق قبل أن تحقق غايتها.
3/ إن الشارع قد عاقب على تقديم إقرار ناقص وإقرار غير صحيح بعقوبة مخففة وبنص خاص فهو قد أوجب في م (43)، (48) على الممول أن يقدم إقرارًا مبينًا فيه مجموع أرباحه وفي الصيغة الفرنسية le montant de leur benefices فمن يقدم إقرارًا غير صحيح أو إقرارًا ناقصًا يخالف هذه المادة التي قرر الشارع في المادة (85) جزاء على مخالفتها غرامة لا تزيد على عشرين جنيهًا مع أنه جعل عقوبة الطرق الاحتيالية خمسين جنيهًا وعلى ذلك فليس تقديم إقرار ناقص ولا إقرار غير صحيح بفعل مباح (حبيب المصري باشا صـ 657 عكس هذا الرأي).

الأوامر العسكرية

رأى المشرع العسكري أن الإخلال بواجب الصدق في جميع صوره يؤدي إلى نتيجة واحدة وهو الإضرار بالخزانة فرأى أن يعاقب عليه بنص واحد فقضى بالعقاب في الأمرين العسكريين (361)، (362) على ما تضمنه البيانات والإقرارات والميزانيات والأوراق المقدمة من الممولين من بيانات غير صحيحة وهي عبارة تسع للإقرار غير الصحيح والناقص ولما دعم منها بطرق احتيالية بل تشمل أيضًا الكب في غير الإقرار من البيانات.

عقوبة الإخلال بواجب الصدق

فرقنا في صور الإخلال بين الإقرار الناقص والإقرار غير الصحيح وبين الإقرار الكاذب الذي دعم بطرق احتيالية وقلنا بأن الحالة الأولى تقع مخالفة للمادتين (43)، (48) فتكون عقوبتها وفقًا للمادة 85/ 1 غرامة لا تزيد عن عشرين جنيهًا، أما الثانية فعقوبتها وفقًا للمادة 85/ 3 غرامة لا تزيد على خمسين جنيهًا، وفي جميع هذه الأحوال يقضي بزيادة ما لم يدفع من الضريبة بمقدار لا يقل عن 25 %، ولا يزيد على ثلاثة أمثالها.
ولقد شدد الأمران العسكريان هذه العقوبة والزيادة ووحدًا العقاب في جميع هذه الصور فأصبحت العقوبة وفقًا للمادة الثانية من الأمر العسكري (361) الحبس مدة لا تجاوز ثلاثة شهور وغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين إلى جانب زيادة قدرها ثلاثة أمثال ما لم يدفع من الضريبة.

أساس الزيادة

حدد الشارع هذه الزيادة بثلاثة أمثال ما لم يدفع من الضريبة ومعنى هذه العبارة ثلاثة أمثال ما أخفى من الضريبة لأن هذا التفسير هو الذي أخذ به القانون الفرنسي ولأن الممولين وفقًا للأمر العسكري (361) ملزمون بأداء الضريبة على أساس إقراراتهم فيكون ما لم يشمله الإقرار هو القدر الذي لم تدفع الضريبة عنه وهو الذي يقضي بثلاثة أمثاله.
ذهب البعض إلى القول بأن الزيادة تقدر بثلاثة أمثال الضريبة لأن الشارع ذكر بالأمر العسكري يحكم بزيادة ما لم يدفع من الضريبة بمقدار يعادل ثلاثة أمثالها - والهاء تعود على الضريبة (الأستاذ يوسف تادرس صـ 96).
وعندي أن الزيادة تجب على أساس ما لم يدفع وإلا لما كان الشارع بحاجة إلى ذكر عبارة ما لم يدفع من الضريبة، ولأن الصيغة الفرنسية تقضي بذلك “une majoration sur les droits non payés, égale au trible de ces droits” فهذا الخطأ المادي في الصيغة العربية لا يؤبه له.

طبيعة الإخلال بواجب الصدق

ذهب البعض إلى القول بأن هذه الجرائم جرائم وقتية تتم بتقديم إقرار ناقص أو غير صحيح أو باستعمال الطرق الاحتيالية (الأستاذ يوسف تادرس صـ 85).
وعندي أن هذه الجرائم جميعها هي جرائم مستمرة وذلك لأن الشارع أوجب على الممولين - كما ذكرنا - تقديم إقرار شامل لجميع أرباحهم – ونصت م (49) على أن الممول يظل ملزمًا بتقديم الإقرار المنصوص عليه في م (43)، وهو الإقرار الصحيح حتى ولو قدرت أرباحه بطريق التقدير أي حتى بعد ميعاد الإقرار فكأن الشارع قد اعتبر الإخلال بواجب الصدق حالة مستمرة متجددة الحدوث.
ولا يغير من هذه الحالة أن تتأيد بطرق احتيالية، وذلك لأن الممول الذي يلجأ إلى الطرق الاحتيالية يستعمل في ذلك أوراق مزورة أو على الأقل في طبيعتها تغيير للحقيقة وذلك بتقديم هذه الأوراق والرأي السائد فقهًا وقضاءً على أن استعمال المحررات المزورة جريمة مستمرة، فكان استعمال طرق احتيالية للفرار من الضريبة في ذاتها حالة مستمرة.
يخلص مما تقدم أن جرائم الإخلال بواجب الصدق هي جرائم مستمرة سواء منها ما اقتصر على مجرد الإخفاء أو ما كان منها مقرونًا بطرق احتيالية وأن حالة الاستمرار تنتهي كما ذكرنا بزوال صفة الممول أو سقوط حتى مصلحة الضرائب.
3 - الإخلال بوسائل الفحص:
قلنا إن الشارع أوجب على الممول أن يقدم دفاتره وأوراقه للاطلاع عليها، كما أوجب على مندوبي القضاء والموظفين الإداريين والقضائيين أن يبلغوا بما يحمل على الاعتقاد على ارتكاب غش في أمر الضرائب وفرض لمخالفة هذا الواجب عقوبات.
كما فرضت اللائحة التنفيذية على الممول أن يجيب على ما يطلب منه من إيضاحات وأدلة وجعلت لمخالفة ذلك عقابًا، فلنا أن نتحدث عن كل جريمة من هذه.
( أ ) الإخلال بحق الاطلاع:
أوجب الشارع على الممول أن يقدم دفاتره وأوراقه إلى موظفي الضرائب إذا ما لزموا ما قرره له من ضمانات، فإذا ما أخل بذلك الواجب سواء بالامتناع عن تقديم هذه الأوراق أو بإتلاف هذه الأوراق قبل انقضاء مدة التقادم عوقب الممول بغرامة لا تزيد على عشرة جنيهات.
وفضلاً عن هذه الغرامة يحكم عليهم بتقديم هذه الدفاتر والأوراق وإلا حكم عليهم بتهديدات مالية يحدد الحكم مقدارها عن كل يوم من أيام التأخير، وتسري هذه التهديدات لا من وقت الحكم بها ولا من وقت إعلان الحكم للممول بل من وقت إعلان المحضر المثبت لعدم تنفيذ الحكم بعد إعلانه إعلانًا قانونيًا.
(ب) الإخلال بواجب التبليغ:
ذكرنا في أول البحث مدى هذا الواجب بقي علينا أن نذكر عقوبة الإخلال به وهي طبقًا للمادة 85/ 1 غرامة لا تزيد على عشرين جنيهًا وزيادة ما لم يدفع من الضريبة بمقدار لا يقل عن 25 % ولا يزيد على ثلاثة أمثالها، ونلاحظ على هذه العقوبة أن الشارع لم يكن يُعاقب في ق (14) لسنة 1939 على الإخلال بهذا الواجب وإنما نص على هذا العقاب عند تعديل قانون رقم (39) سنة 1941، وقد انتقد البعض القضاء بالزيادة (حبيب باشا صـ 648) ولكن هذا النقد لا محل له لأن الشارع أراد أن يجعل الموظف مسؤولاً عما يضيع على الخزانة من ضريبة.
(ج) الإيضاحات والأدلة:
أوجبت اللائحة التنفيذية تقديم هذه الإيضاحات والأدلة، وقد عرفنا في مقدمة البحث مدى هذا الواجب بقي علينا أن نتساءل عن عقوبة مخالفته، وقد يستغرب ذلك لأن مخالفة اللوائح لا تستوجب سوى عقوبة مخالفة ولكن الغرابة تزول إذا رجعنا إلى الأمر العسكري (361) الذي أوجب على الممول أن يقدم (جميع البيانات والميزانيات والإقرارات والأوراق التي يقضي بتقديمها القانون المذكور أي رقم (14) وقانون رقم (60) سنة 1941 أو اللوائح والقرارات الصادرة بتنفيذ القانونين المذكورين)، وقد يقال بأن الشارع وقد أوجب على الممولين تقديم ما تفرضه اللائحة عن أوراق أو بيانات قد شمل ما تفرضه اللائحة من إيضاحات وأدلة، فتكون مخالفة هذا الواجب مستوجبة للعقوبة المنصوص عليها في الأمر العسكري (361)، وهي عقوبة جنحة تحدثنا عنها عند التحدث عن الإخلال بواجب الصدق والامتناع عن الإقرار.
وأنني أرى أنه رغم عموم هذا الأمر فإننا يجب أن نفسر هذه المادة على أن الشارع يقصد بهذه العبارة ما يقتضيه قانون الضرائب من إقرارات وأوراق مؤيدة له فلا تمتد إلى ما عدا ذلك.
يؤكد هذا النظر أن الشارع نص في المادة الأولى من الأمر العسكري (362) الذي صدر بعده بأيام على تعديل ميعاد تقديم هذه الأوراق إلى نهاية الميعاد المقرر في المادتين (43)، (48) وهما يتحدثان عن واجب الإقرار، فدل بذلك على أن هذا الأمر يقتصر على الإقرار وما يرفق به من أوراق أما ما عدا ذلك فلا يمتد إليه مضمون هذه المادة، وقد أكد الشارع هذا الحكم في المادة الثانية من الأمر العسكري (362) التي أوجبت تقديم الأوراق المنصوص عليها في الميعاد المحدد لتقديم الإقرار مما يدل على أن هذا الأمر ليس متعلقًا بالإيضاحات والأدلة التي لا يرتبط ميعادها بميعاد الإقرار.

عقوبة العود

نصت عليها الفقرة الرابعة م (85) فقالت (في حالة العود في الأحوال المبينة بالفقرات الثلاث السابقة في خلال ثلاث سنوات تضاعف الغرامة).
وواضح من هذه المادة أن الشارع جعل مدة العود ثلاث سنوات وهو يحكم يخالف القواعد العامة ولكن لنا أن نتساءل هل يلزم في العود أن تتماثل الجريمة التي قضى فيها مع الجريمة التي ارتكبت تماثلاً حقيقيًا من حيث أركانها أم أن جرائم الإخلال بالإقرار تعتبر جميعها جرائم متماثلة، لقد ذهب البعض إلى القول بأن العود يتحقق بارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة (85) في خلال ثلاث سنوات (حبيب باشا صـ 66).
وذهب آخرون إلى التفرقة بين مجموعتين من الجرائم - المجموعة الأولى وهي جرائم تنطوي على تدليس وأخرى ليست كذلك فتعتبر الجريمتين متماثلتين إذا كانتا من نوع واحد فعلاً أو من مجموعة واحدة من هاتين المجموعتين (الأستاذ توكل صـ 268 - 269).
وعندي أننا يجب أن نلزم القواعد العامة فيما لم يخرج عليها الشارع وهو بالنسبة للعود لم يخرج عليها إلا في صدد قصر مدة العود على ثلاث سنوات، فيجب أن تطبق القواعد العامة فيما عدا ذلك ومن بينها تماثل الجريمتين فعلاً.
وهنالك نقطة أخرى بالنسبة للجرائم التي نص عليها الأمران العسكريان هل تلزم مدة الثلاث سنوات بالنسبة لهذه الجرائم أم أننا نطبق القواعد العامة بالنسبة لجرائم الأوامر العسكرية.
قد يقال بوجوب تطبيق القواعد العامة لأن الأمرين العسكريين قد صدرا بعد قانون (14) سنة 1939 فلا يخضعان لهذا القيد ويخضعان للقواعد العامة وبخاصة لأن العود متصل بالعقوبة لا بالجريمة.
وعندي أن الشارع ربط هذا القيد بالجريمة لا بالعقوبة فقالت المادة (85) في الحالات المبينة بالفقرات الثلاث “Des infractions visées aux trois alinéas precedentes”.
فكان مدة العود القصيرة تطبق على جميع الجرائم التي ترتكب مخالفة لقانون الضرائب، والشارع في الأمرين العسكريين لم ينشئ جرائم جديدة وإنما شدد من العقوبات المقررة لجرائم قانون الضرائب فيجب أن تخضع لهذا القيد.

وكيل نيابة
ضرائب القاهرة
أحمد ثابت عويضة

[(1)] نص المحاضرة التي ألقاها حضرة الأستاذ أحمد ثابت عويضة وكيل نيابة ضرائب القاهرة بنادي القضاة في يوم 3 إبريل سنة 1947.
[(2)] غير واضح بالأصل.


          

رقم الصفحة : (1) من إجمالي  1

            


 
 
الانتقال السريع          
  الموجودون الآن ...
  عدد الزوار 938 / عدد الاعضاء 57