اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

 

    مكتبة الأبحاث القانونية      أبحاث في القانون الإداري      نزع الملكية للمنافع العمومية

        
 
  المؤلف : عزيز خانكي   المصدر : مجلة المحاماة - مصر سنة 1923
    نزع الملكية للمنافع العمومية

مجلة المحاماة - السنة الرابعة 1923

نزع الملكية للمنافع العمومية
مبدأ جديد

روى المقطم الأغر أن لجنة التثمين في مصلحة تنظيم مصر أخذت تثمن المنازل المراد هدمها لإدخالها في الشارع الذي يوصل العتبة الخضراء إلى الأزهر الشريف بمحاذاة شارع الموسكي، وأنه بلغ ثمن المتر المربع في بعض هذه المنازل 36 جنيهًا مصريًا.
ويظهر أن التعويضات التي ستدفعها الحكومة إلى أصحاب الأملاك ستكون فاحشة جدًا تثقل كاهل ميزانية الحكومة بحمل ثقيل جدًا.
ذكرني هذا الخبر بحادثة حدثت لي في سبتمبر سنة 1910 مذ كنت بدار السعادة. دار الحديث بيني وبين المرحوم الأمير سعيد باشا حليم عن الآستانة وما شاهدت فيها، فقلت له إني مندهش جدًا من إهمال الحكومة عمل الإصلاحات الضرورية في البلد، مثل إنشاء شوارع جديدة وعمل ميادين عمومية، وبناء أرصفة في محاذاة البوسفور وعمل أعمال أخرى من شأنها تحسين المدينة وتسهيل طرق المواصلات بين أقسام دار السعادة المتباعدة الأطراف، فأجابني بأن المشروعات المعروضة كثيرة جدًا ولكن يعوزها المال، والمال يكاد يكون في حكم العدم، فقلت له وما رأيك إذا كنت أدلك على طريقة تضمن للحكومة تنفيذ جميع مشروعات التنظيم مجانًا لوجه الله الكريم، فأحدق في الأمير وقال لي أجد ما تقول ؟ فقلت نعم، فقال وما هي هذه الطريقة، فقلت إن الطريقة معروفة ومتبعة في بلجيكا وسويسرا وإسبانيا، وجدت الحكومات فيها سهولة وسرعة في تنفيذ مشروعات التنظيم العظيمة ولم تجد من العمل بها شكوى من أحد بل بالعكس آنست من السكان ميلاً عظيمًا لتأييدها، ذلك أن الحكومة إذا أرادت إنشاء شارع مثلاً (كالشارع الذي تريد الحكومة المصرية فتحه بين العتبة الخضراء والأزهر) فإنها بدلاً من أن تنزع ملكية طريق عرضه عشرون مترًا مثلاً تنزع ملكية مساحة عرضها أربعون مترًا، عشرون للشارع وعشرة أمتار من كل جانب تأخذها لها، فالعشرون الأولى تخصص للشارع وتدفع الحكومة ثمنها بحسب قيمتها وقت نزع الملكية والعشرون مترًا الأخرى (من كل جانب عشرة أمتار) تهدم الحكومة المباني القائمة فيها ثم تبيع أرضها للأهالي على أن تعطي الأولوية في البيع إلى صاحبها الأصلي.
دل الاختبار على أن ثمن العشرين مترًا الزائدة التي نزعت الحكومة ملكيتها تزيد قيمتها أضعافًا مضاعفة بعد إنشاء الشارع الجديد، والفرق بين ثمنها الذي تدفعه الحكومة والثمن الذي تباع به يسدد ثمن الشارع الذي تخصصه الحكومة للمنفعة العامة.
سمع الأمير هذا فأعجب به وطلب مني أن أكتب مقالة لجريدة طنين فقمت على الفور إلى مكتبته وحررت رسالة باللغة الفرنساوية دفعها الأمير إلى أحد الكتاب الترك فنقلها إلى اللغة التركية ونشرتها جريدة طنين في يوم 10 سبتمبر سنة 1910 فاهتمت صحف الآستانة بهذه المقالة وكتب رجال القانون في تركيا محبذين الفكرة ثم سافرت ولا أعلم إذا كانت الحكومة العثمانية عملت بالفكرة أم لا.
أما المقالة فها هي بنصها وفضها:
(اتصل بي أن وزارة العدلية ووزارة النافعة تدرسان التعديلات التي يراد إدخالها على قانون نزع الملكية للمنافع العمومية لتسهيل تنفيذ المشروعات العظيمة التي تنوي الحكومة الشاهانية إجراءها في الآستانة وفي مدن تركيا الكبرى.
يروع الحكومة بهظ التعويضات الواجب عدلاً وقانونًا دفعها إلى أصحاب الأملاك المراد نزع ملكيتها منهم فتحجم عن تنفيذ المشروعات النافعة والمشروعات الحيوية للبلاد، وما دامت الحكومة العثمانية تشتغل الآن بدرس هذه المسألة فليسمح لي وزير العدلية ووزير النافعة بأن ألفت أنظارهما بكلمات وجيزة إلى الطريقة المتبعة في بعض ممالك أوروبا وفيها تجد الحكومات تيسيرًا كبيرًا لتنفيذ مثل هذه المشروعات بسرعة وبشيء من التوسع وبلا نفقة أو بشيء قليل منها.
والطريقة التي أشير إليها متبعة في بلجيكا وسويسرا وإسبانيا ويمكن تلخيصها بالكلمات الآتية:
(نفرض أن الحكومة تريد فتح شارع في وسط حي من أحياء المدينة، فبدلاً من أن تنزع ملكية المقدار اللازم لإنشاء الشارع تنزع الأرض الملاصقة لجانبي الشارع بعرض 10 أو 15 أو 20 مترًا و بعد ما تنزع ملكيتها وتستولي عليها تعود بعدما تنشئ الشارع فتبيعها مجزأة إلى الأهالي ويعطي لأصحابها الأصليين حق الأولوية في ابتياعها، فقيمة الأرض التي تكون قد أخذتها الحكومة من الأهالي للمنافع العمومية تزيد بعد ذلك إلى الضعفين وزيادة، فإذا باعتها استردت من هذه الزيادة مبلغ التعويضات التي تكون قد دفعتها إلى أرباب الأملاك ونالت علاوة عليها نفقات فتح الشارع كلها أو بعضها.
(وهذه الطريقة لا غبن فيها على أحد لأن أرباب الأملاك المنزوعة ملكيتهم يقبضون ثمن ملكهم مقدرًا قبل تنفيذ المشروع، وأهل البلد يكسبون فتح الشارع وما يتبع فتحه من سهولة المواصلات وتحسين منظر المدينة وتحسين مرافقها الصحية وتنظيم حي من أحياء المدينة ولها مزايا جمة أخرى.
منها أنها تمكن الحكومة من تنفيذ المشروعات العامة بدون أن تظلم أحدًا.
وتمكنها من تنفيذها بسرعة وبلا عوض وبشيء من التوسع.
وتسهل تنظيم المدن والموانئ تنظيمًا جديدًا بإنشاء الشوارع والميادين والأرصفة وغيرها على أحدث طراز وأكمل هندام.
(وها فرنسا تشتغل الآن بتعديل قانونها الخاص بنزع ملكية الأفراد للمنافع العمومية مقتبسة أحكام ونصوص القوانين البلجيكية والسويسرية والإسبانية، وقد عرض بالفعل على المسيو ملران وزير الأشغال العمومية مشروع بهذا المعنى واللجنة التي نيط بها بحثت هذا المشروع ووافقت عليه بالإجماع).
(فحبذا لو أمرت الحكومة الشاهاهنية السلطانية بتأليف لجنة لدرس هذه المسألة وحبذا لو طبقت مثل هذه الأحكام في تركيا لتستفيد البلاد من المشروعات الكبيرة الموقوف تنفيذها الآن على تدبير المال).
والعمل بهذه الفكرة في مصر لا يُعد بدعة لأني علمت من ثقة من أكبر الثقات أن الحكومة المصرية كانت تعمل بها في عهد المغفور له إسماعيل باشا خديوي مصر وإنما مع الفارق الآتي:
أن الحكومة المصرية كانت إذا أرادت فتح أحد الشوارع بعرض عشرين مترًا مثلاً وصادف الطريق جزءًا من أرض أو دار فإن الحكومة لا تقتصر على نزع ملكية ذلك الجزء الذي دخل في الشارع الجديد فقط بل تنزع ملكية الأرض كلها أو الدار كلها على أن تبيع ما يفيض عن حاجتها إلى الأهالي وكان ثمن الزيادة يعوضها كثيرًا مما تدفعه ثمنًا للجزء الأصلي الذي دخل في الشارع، ولا سيما إذا أضيف إلى ما تربحه الحكومة من بيع الزيادة ما تكسبه من زيادة عوائد المباني التي تشيد في محاذاة الشارع الجديد أو في داخل الحي الجديد، فما رأي الحكومة الحالية في أصل الفكرة وفي العمل بها الآن في مصر ؟

عزيز خانكي


          

رقم الصفحة : (1) من إجمالي  1

            


 
 
الانتقال السريع          
  الموجودون الآن ...
  عدد الزوار 478 / عدد الاعضاء 57