اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

 

    مكتبة الأبحاث القانونية      أبحاث في القانون الإداري      بحث في المادة (40) من لائحة الترع والجسور

        
 
  المؤلف : يونس صالح   المصدر : مجلة المحاماة - مصر سنة 1923
    بحث في المادة (40) من لائحة الترع والجسور

مجلة المحاماة - السنة الرابعة 1923

بحث في المادة (40) من لائحة الترع والجسور الأمر الصادر بتاريخ 22 فبراير سنة 1894

أمضيت في خدمة المحاماة والنيابة تسعة عشر عامًا، ولعل هذا سبب ما أجده في نفسي من الغضاضة إذا جلست في لجنة مخالفات الترع والجسور لأقضي بالمادة (40) من دكريتو الترع والجسور الصادر بتاريخ 22 فبراير سنة 1894 فقد قضت هذه المادة أن (مشايخ وخفراء البلاد والكفور ونظار جفالك أو عزب الدومين والدائرة السنية هم مسؤولون عن المحافظة على الجسور والترع وجميع الأعمال الصناعية التي هي في دائرة كل منهم وفي عهدته فإذا حصلت مخالفة فيلزمون شخصيًا بنفقة إعادة الأعمال إلى أصلها إذا لم يتيسر معرفة الفاعلين).
وهي مسؤولية غامضة كما ترى وقد جاء تطبيقها غامضًا كذلك، وهذا الغموض ميراث من ذلك العهد المظلم الذي كان يرهق فيه الفلاح للقيام بأعمال عامة كالسخرة والعونة وخفر النيل وما شاكلها.
ومبدأ المسؤولية في هذه المادة كما يؤخذ من نصها:
أولاً: أنها موزعة على المشايخ ومن ذكروا معهم في المادة.
ثانيًا: أن الجسور والترع وجميع الأعمال الصناعية يجب أن تكون في دائرتهم وفي عهدتهم.
ثالثًا: أن المسؤولية تكون إذا لم يتيسر معرفة الفاعلين.
ونرى في الوجه الأول أن العمدة لم يكن من بين المسؤولين، فيفهم من إغفاله أنه غير مسؤول مع الآخرين عن هذا النوع من المخالفات، ولكن لائحة العمد التي صدرت بعد ذلك في 16 مارس سنة 1895 أثبتت في المادة (66) أن (العمدة مسؤول عن المحافظة على الجسور والترع وجميع الأعمال الصناعية الموجودة في دائرة مركزه والموكولة إلى عهدته)، ولم تذكر شيئًا عن المشايخ والخفراء.. إلخ، فهل يراد بهذه المادة إضافة مسؤول آخر إلى قائمة المسؤولين في المادة (40) من لائحة الترع والجسور أم أن مسؤولية العمدة الناتجة عن دكريتو مارس سنة 1895 قد جبت مسؤولية المذكورين بالمادة (40) من لائحة الترع وأصبح هو وحده مسؤولاً عما يقع من المخالفات أو الأضرار اللاحقة بالأعمال الصناعية في دائرة بلده وقع الاضطراب في آراء اللجان وأفتى قلم القضايا أن المادة (66) من لائحة العمد لم تقصد إبطال العمل بنص المادة (40) من لائحة الترع وإنما جاءت مسؤولية العمدة عن أعمال الجسور والترع والأعمال الصناعية نتيجة الرئاسة المسندة إليه بدكريتو 16 مارس سنة 1895 وأن كل صفة رئيسية تتضمن المسؤولية بطبيعتها وهذه المسؤولية يجوز تجزئتها أو إلقاؤها على عاتق من عهدت إليهم بمقتضى اللوائح والقوانين، ولذا فليس ثم مانع من التوفيق بين المادتين إذ ليس التباين إلا لفظيًا، وعلى هذا يكون العمدة والمشايخ وباقي الأشخاص المذكورين بالمادة (40) من لائحة الترع ملزمين جميعًا بنفقة إعادة الشيء لأصله عند حصول مخالفة لم يعلم فاعلها، أي أن قسم القضايا رأي أن يعمل بالمادتين معًا.
أضف إلى ذلك ارتباكًا آخر قد اعترى اللجان عند مقارنة المادة (32) فقرة (ح) من لائحة الترع بالمادة (40) منها فقد قررت المادة (32) في الفقرة المذكورة العقاب على الإقدام على أمر يضر بالأعمال الصناعية (ويكون مشايخ البلاد الذين بعهدتهم هذه الأعمال الصناعية مسؤولين إزاء الحكومة إداريًا إذا لم يبلغوا تلك الأفعال إليها بشرط أنها (الحكومة) تعين خفراء لذلك).
فهل يراد بذلك جعل واجب المشايخ قاصرًا على التبليغ، خلافًا لما أوجبته المادة (40) في قولها (إذا لم يتيسر معرفة الفاعلين) أي أن التبليغ وحده لا ينفي المسؤولية عن المشايخ بل يجب ظهور الفاعلين، ومسؤولية المشايخ حسب المادة (32) مقرونة بشرط (أن الحكومة تعين خفراء لذلك)، والمادة (40) لا تشترط هذا الشرط فهل هناك تناقض بين المادتين أم ماذا ؟
لقد رأى قلم القضايا في هذا الصدد أن المادة (32) تتكلم عن المسؤولية الإدارية وحدها فالمشايخ مسؤولون إداريًا إذا لم يبلغوا عن المخالفات وبشرط أن يكون للحكومة خفراء معينون من جانبها للمحافظة على الأعمال الصناعية ولكن هذا لا يخليهم من المسؤولية مع الخفراء عن نفقات إعادة المخالفات لأصلها إذا بلغوا ولم يتيسر معرفة الفاعلين بالتطبيق للمادة (40) من اللائحة، ولا شك أن التعسف والغموض ظاهران في هذه الأحكام.
إن نظرة واحدة إلى سلسلة الواجبات التي يفرضها دكريتو 16 مارس سنة 1895 على العمدة تكفي للذهول لكثرة ما ألقى هذا الدكريتو على عاتقه من المسؤوليات الخطيرة المتعددة فهو مطالب بأعمال الأمن - كمراقبة أعمال المشايخ والخفراء والشغالة النازلين ببلده وخيوش العربان والمشبوهين وسيئ السلوك والمتشردين والمحافظة على صناديق المراسلات ومستخدمي البوستة والسكك الحديدية والمحافظة على مهمات هذه المصلحة ومنع حمل الأسلحة النارية في غير دائرة القانون - ومسؤول عن الصحة - فعليه مراقبة كل مرضٍ يتفشى في إنسان أو حيوان وأن يمنع إلقاء رمم الحيوانات النافعة بالطرق العمومية أو الترع والمجاري أو السواقي ومنع تصريف مجارير ومصارف أصحاب الأملاك على الشواطئ في النيل ومنع اتصال مجارير الجوامع والحمامات بالنيل والترع والبرك..، ومنع حفر البرك في بحري القرية ومنع دفن الموتى في غير المقابر المصرح بها ومنع إخراج الجثث من القبور ومراقبة الصيارف في قيد المواليد والوفيات والتطعيم - ومسؤول عن الري - فعليه المحافظة على الترع والجسور والأعمال الصناعية ومراقبة أعمال خفر النيل وحفظ الأتربة والأحجار والأخشاب اللازمة لحفظ الترع وعليه التبليغ عن كل مسقى يراد إحداثها أو ساقية أو آلة رافعة، وعليه أن يجري توزيع المياه على أهالي البلد بالعدل ومنع كل تعد على حقوق الغير وعليه حفظ الطرق الزراعية – ومسؤول عن أعمال القرعة - ومسؤول عن أعمال الانتخابات - ومسؤول عن الأعمال المالية كالأموال المقررة والحجوزات – ومسؤول عن التهريب في الزراعات الممنوعة - ومسؤول عن ملاحظة أرباب المعاشات.. إلخ مما يصعب حصره على الباحث فالعمدة يتعهد كل رجل في البلد من يوم ولادته إلى يوم وفاته ويتعهد جميع أعماله وما يرتبط برزقه وصناعته وأطيانه وريه وسلوكه وقيامه بالواجبات العامة، كل ذلك وهو غير مأجور.
فيجب أن لا تحال عليه مسؤوليات مهمة تجر عليه خسارة مالية قد تكون ذات بالٍ في كثير من الأحوال.
وعن الوجه الثاني: أن الجسور والترع والأعمال الصناعية يجب أن تكون في عهدة المسؤولين عنها كما هو نص المادة (40) من لائحة الترع، وكما هو نص المادة (66) من لائحة العمد فهذا أمر عادل إذا تحددت فيه مسؤولية العمدة وغيره بهذا الشرط وهو أن تكون الأشياء في عهدته، ومقتضى ذلك أن تكون الأشياء المذكورة قد تسلمت إليهم تسليمًا رسميًا للمحافظة عليها وقد أفتى بذلك قلم القضايا غير أن وزارة الأشغال قد شكت من تأثير هذه الفتوى وعادت فحملت قلم القضايا بعد ذلك الرأي الصريح على أن يعود إلى رأي جديد ضار بمبدأ المسؤولية الحقة إذ ذهب إلى أنه يستحيل عمليًا أن يتحتم وجود هذا التسليم بكيفية معينة وأنه يكفي أن يكونوا (على علم بالأعمال الفنية التي هم مسؤولون عنها)، فأصبح العمدة ومن معه في المادة (40) من لائحة الترع والجسور مسؤولين عن أي حال واعتبرت ألفاظ (العهدة) في المواد المتقدمة لغوًا كما ترى، ولما أرادت بعض اللجان أن تفهم جميع المقصود من (الأعمال الصناعية) الواردة بالمواد المذكورة أفتى قلم القضايا رغبةً في (تأويلها وحصرها تأويلاً وحصرًا لا يدعو سبيلاً للشك) أنها هي (القناطر والكباري والسحارات والهويسات والبرابخ وما شاكل ذلك من الأعمال العمومية).
وهذه الجملة الأخيرة قد نفت الحصر الذي كانت اللجان تسعى إليه لمعرفة الأعمال الصناعية التي تترتب عليها المسؤوليات التي نحن بصددها بقي الوجه الثالث وهو أن هذه المسؤولية تكون (إذا لم يتيسر معرفة الفاعلين)، وكثيرًا ما يحصل أن تكون الأعمال الصناعية كالقناطر والسحارات مثلاً بعيدة جدًا عن القرى فيكون العمدة مسؤولاً عن السرقات التي تحصل من أخشابها أو أدواتها وهم في غفلتهم بعيدين عنها مع أن القناطر لها خفراء معينون من جهة الري وقد يبلغ ثمن الأخشاب مبلغًا جسيمًا، ولا شك أن العمدة في مثل هذه الأحوال يسعى للخلاص من المغرم الكبير بالبلاغ في حق أشخاص من خصومه لدرء الخسارة عن نفسه ويجتهد في إيجاد الدليل عليهم وفي ذلك من الظلم وإفساد الأخلاق ما لا يخفي ولا مسبب لذلك إلا توقيع مسؤولية جائزة عليه هو يدفعها بجور آخر، وأصعب من هذا أن مصاريف رد الشيء لأصله قيمتها حتمية على اللجان فلا تستطيع حسب التعليمات الأخيرة أن تناقش في أن المبلغ كثير أو قليل بل عليها أن تأخذ تقدير المصلحة ذات الشأن قضاءً مبرمًا وإن كان يخالف الظاهر والمعلوم كما سأحدث قراء المحاماة عنه في مقال آخر، بقي علينا أن نفهم هل يكون العمدة ومن معه مسؤولين إذا رفعت الدعوى على السارق مثلاً وبرأته المحكمة لعدم كفاية الشهود أو لتغييرهم أقوالهم في المحاضر الأولى - أم تستمر المسؤولية لأن الفاعل لم يصدر عليه حكم قضائي - وكذلك إذا رأت النيابة أن الأدلة غير كافية فحفظت أوراق التهمة مؤقتًا.
هذا فصل من فصول المسؤولية الإدارية يجد القانوني في نفسه غضاضة من توقيع الجزاء فيها لأنها مسؤولية غامضة مبهمة وهي ميراث من التشريع العتيق وقد طالما رأينا الناس تتأفف من أحكامنا في هذا الباب ولا شك أن مثلي قد يهرع في مركزه الجديد إلى زملائه القديمين لنقد هذا التشريع والعمل على إبطاله أو رفع الإبهام واللبس عنه وتحديد المسؤولية تحديدًا عادلاً.

يونس صالح
مدير الفيوم

          

رقم الصفحة : (1) من إجمالي  1

            


 
 
الانتقال السريع          
  الموجودون الآن ...
  عدد الزوار 612 / عدد الاعضاء 57