اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

 

    مكتبة الأبحاث القانونية      أبحاث في القانون الإداري      بحث في وقفية المرحوم علي بك فهمي (رد)

        
 
  المؤلف : أحمد إبراهيم   المصدر : مجلة المحاماة - مصر
    بحث في وقفية المرحوم علي بك فهمي (رد)

مجلة المحاماة

بحث في وقفية المرحوم علي بك فهمي
رد

حضرة صاحب العزة الأستاذ البحاثة عزيز بك خانكي،
اطلعت في عدد المقطم (10479) على مقال ممتع لكم في وقفية المرحوم علي بك فهمي كامل، ولما قرأته لأول مرة وقع في نفسي ما يخالفه مع إعجابي الشديد ببحثكم واعتدالكم وحبكم للخير، ثم تذاكرت فيه مع الأستاذ القانوني المحقق عبد الحميد بك أبو هيف فأيدت تلك المذاكرة ما كنت رأيته.
وأني مرسل إليكم بخلاصة رأيي ولكم الخيار في نشره بمجلة المحاماة الغراء، وطيه
1 - قلتم إن الأصل في الشرع أن ينعقد الوقف بصدور لفظ من ألفاظه الخاصة به إلخ، وهذا قول لا يخالفكم فيه أحد ولكنه أصبح لا يفيد المتمسكين به أمام القضاء الآن مع وجود القيود التي زادتها لائحة المحاكم الشرعية لحكمة اقتضت ذلك وهي منع التلاعب الذي كان فاشيًا في قضايا الأوقاف إلى آخر ما قلتم مع ما في ذلك من ضبط التصرفات العقارية ضبطًا محكمًا، ولا شك أن هذه القيود صادفت محلها لفساد الزمان.
فلو أن أحد ورثة المرحوم علي بك فهمي طالب بحصته من التركة ومن ضمن ذلك العقار الذي لم تسجل وقفيته فدفعت دعواه بأنه وقف قد تم من ناحية الشرع أمام شهود عدول، أكان يقبل هذا الدفع الآن مع الفقرة الأخيرة من المادة (137) المعدلة ؟ راجع قانون (33) لسنة 1920 [(1)] أليس هذا أكبر أهمية مما إذا تزوج رجل امرأة أمام الشهود العدول بعد سنة 1911 وكان الزواج ثابتًا شرعًا ثم توفي الزوج وهي في عصمته لكن العقد لم يكن مدونًا بورقة رسمية ولا مكتوبًا بخط المتوفى ثم طالبت الزوجة بنصيبها من الميراث والورثة ينكرون زوجيته منها والناس كلهم يشهدون بصدق دعواها، أكان هذا يشفع لها في قبول دعواها أم ترفض عملاً بالمادة (101) من اللائحة ؟
واضع اللائحة وضع هذه القيود وأشباهها للضرب على أيدي المفسدين وإقفال باب التزوير ما استطاع إلى ذلك سبيلاً وهو يعلم أن بعض الجزئيات يذهب خلال ذلك ضحية الإهمال أو الجهل فدفع الضرر الأشد بارتكاب الضرر الأخف إذ لا مناص له من ذلك في هذا العالم المحفوف بالنقائص.
وبالجملة فمناط الأحكام التشريعية إنما هو المظان الكلية ومراعاة الكثير الغالب، ومحاولة أن يكون القضاء على ما تهواه النفوس في كل جزئية طمع في المحال، وقد وافقت الشريعة الإسلامية في ذلك القوانين الوضعية.
2 - ثم بينتم الفرق بين الوقف في نظر اللائحة والهبة والرهن في نظر القانون بأن هبة العقار ورهنه لا يكون لهما وجود قانونًا إلا إذا تحرر بهما إشهاد رسمي أمام مأمور العقود الرسمية وأما الوقف فليس كذلك فإن نص اللائحة إنما هو على منع سماع الدعوى عند الإنكار، وأما انعقاد الوقف وعدم انعقاده فاللائحة لم تتعرض له، وأنا أقول: غير خافٍ عليكم أن واضع القانون في سعة من التعبير والتصرف محروم منهما واضع اللائحة، وذلك أن المحاكم الشرعية إنما تحكم بالشرع الذي أنزله الله تعالى وبينه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفرض محتم عليها أن تحكم بذلك، وقد أجمع الفقهاء على أن الوقف ينعقد بالقول وحده بدون إشهاد عليه ولا تسجيل متى صدر من أهله في محله، فكان ما أجمع عليه الفقهاء شرع الله تعالى كما بين في علم الأصول، فلو أن واضع اللائحة نص على بطلان الوقف وعدم وجوده إذا لم يكن بإشهاد رسمي لما قبل منه هذا أصلاً لأنه ليس لأي إنسان كائنًا من كان ولا لأية هيئة تشريعية ولاية تحريم ما أحل الله وإباحة ولا ولاية إباحة ما حرم الله فله وحده سبحانه وتعالى أن يحرم على عباده ما شاء ويبيح لهم ما أراد لا شريك له في الملك.
من أجل ذلك سلك واضع اللائحة مسلكًا يرضاه علماء الشريعة ويتوصل به إلى غرضه وهو النص على منع سماع الدعوى عند الإنكار إلخ، لأنه من المقرر شرعًا أن القضاء يتخصص فالمسألة جاءت من هذه الناحية، وقد سهل هذا الأصل على واضع اللائحة إدخال قيود كثيرة ووضع نظم عديدة لا تأباها الشريعة السمحة الحكيمة.
يوضحه أن منع سماع الدعوى بعد خمس عشرة سنة في غير الوقف والإرث مبنى على نهي سلطاني فيكون القاضي معزولاً عن سماعها لما علمت من أن القضاء يتخصص، فإذا أمر السلطان بسماعها بعد هذه المدة تسمع، وإما منع سماع الدعوى في الوقف بعد ثلاث وثلاثين سنة أو ست وثلاثين سنة فليس مبنيًا على المنع السلطاني بل هو منع من الفقهاء فلا تسمع الدعوى بعده وأن أمر السلطان بسماعها (انظر رد المحتار).
ويوضحه أيضًا ما قال في الدر المختار: أمر السلطان إنما ينفذ إذا وافق الشرع وإلا فلا، فلو أمر قضاته بتحليف الشهود وجب على العلماء أن ينصحوه ويقولوا له لا تكلف قضاتك أمرًا يلزم منه سخطك أو سخط الخالق تعالى.
وأما القانون فهو وضع بشري محض على حسب ما يتراءى لواضعيه من المصالح فيحظرون ما شاءوا ويبيحون ما أرادوا ويقررون وجود العقد وعدم وجوده.
هذا هو منشأ الفرق بين القانون واللائحة في التعبير لكن النتيجة واحدة فانسداد باب سماع الدعوى يجعل العقد في حكم العدم فالأمران مستويان من وجهة العمل وإن اختلفا من وجهة النظر.
3 - ثم قلتم إن الوقف إذا حصل بورقة عرفية ولم ينكر الواقف صدور الواقف منه جاز سماع دعوى الوقف إلخ، وأقول:
أولاً: أين هو الواقف في مسألتنا الآن ؟
ثانيًا: إذا كان الواقف حيًا وادعى مدعى عليه الوقف ولم ينكره الواقف بل أقر به كان هذا بمنزلة إنشاء الوقف لأن القاعدة الشرعية (أن من حكى أمرًا يملك استئنافه صدق فيما حكاه)، وهو بإقراره بما ادعى عليه من الوقف حاك له وهو يملك إنشاءه في الحال فيعامل بإقراره، ويكون الوقف مقضيًا به في هذه الحالة، وما استشهدتم به من حكم المحكمة العليا يرجع إلى ذلك والعقد العرفي ضائع فيه لا قيمة له لأن الواقف ماثل أمام المحكمة وهو مقر بوقفه فيعتبر إشهاد التغيير فيه كإنشاء وقف الآن على النحو الذي اختاره، ومسألتنا بمعزل عما استشهدتم به.
4 - ثم قلتم إن شرط الإشهاد متوفر هنا لأن الوقف صدر على يد جلالة الملك وهو الحاكم الشرعي الأكبر ومنه يستمد سائر الحكام الشرعيين صفتهم في الحكم إلخ، وأنا أقول: لأجل أن يصير عقد الوقف حجة على الغير لا بد من تسجيله كما قدمنا ولم يحصل تسجيل لهذه الوقفية ولم يؤخذ إشهاد بها في مضبطة المحكمة التابع لها العقار الموقوف، ولتراجع كل المواد المتقدمة بتمعن، وبهذا انتفى كون هذا الوقف حجة على الغير من دائنين وورثة بنص اللائحة الصريح، وأن جلالة الملك أكبر وأعظم من أن يتولى ضبط إشهاد وإنما حضور جلالته وتوقيعه على العقد العرفي لأجل تشريف الواقف وحضه على المسارعة في عمل الخير وترغيب غيره في الاقتداء به، وجلالته يعلم علم اليقين أن هذا العقد العرفي إنما هو عمل تمهيدي فقط وأن وراءه إجراءات قانونية محوطة برعاية جلالته وعنايته ولا يكون للوقف وجود قانوني إلا بها.
وأن الواقف هو الذي كان يجب عليه استيفاء هذه الإجراءات لكنه أهمل في ذلك لأسباب بدت له على ما يقولون، ولقد طلب منه كثيرًا على ألسنة الجرائد أن يسجل وقفه فلم يكن منه إلا التسويف والمراوغة إلى أن استأثرت به رحمة الله تعالى.
5 - وبهذا يخرج الجواب عما قلتموه من أن قيد الإشهاد عمل إداري يجوز بعد وفاة الواقف كما يجوز في حياته، لأنكم أن عنيتم بهذا القيد تسجيل العقد بعد ضبط الإشهاد بالمضبطة فهذا لم يحصل وإنما الذي حصل هو عقد عرفي تمهيدي لا يكون حجة على الغير، وإن أردتم أن هذا العقد العرفي في قوة الإشهاد الشرعي وهو ما تحرصون كل الحرص على إثباته حبًا في الخير فقد تقدم جوابه، وقد انتقل الحق بعد وفاة المرحوم علي بك إلى دائنيه ثم ورثته في تركته وأصبحوا هم أصحاب الشأن فيها فمن ذا الذي يستطيع التعدي عليهم وقد انتقل الحق إليهم.
ولئن فات فبفوات هذا الوقف فوائد عظيمة وخيرات عميمة، فإن المحافظة على نصوص القوانين الصريحة أولى بالعناية والاحترام، فليذهب هذا الوقف مع الأسف الشديد ضحية الإهمال والمراوغة وليحافظ على حرمة القوانين وعدم انحرافها.

أحمد إبراهيم
أستاذ الفقه والأصول بالقسم العالي
بمدرسة القضاء الشرعي

[(1)] مادة (137) يمنع عند الإنكار سماع دعوى الوقف أو الإقرار به أو استبداله أو الإدخال أو الإخراج وغير ذلك من الشروط التي تشترط فيه إلا إذا وجد بذلك إِشهاد ممن يملكه على يد حاكم شرعي بالقطر المصري أو مأذون من قبله كالمبين في المادة (360) من هذه اللائحة وكان مقيدًا بدفتر إحدى المحاكم الشرعية المصرية.
وكذلك الحال في دعوى شرط لم يكن مدونًا بكتاب لوقف المسجل وفي دعوى مستحق لم يكن من الموقوف عليهم وقت الدعوى بمقتضى ما ذكر.
ولا يعتبر الإشهاد السابق الذكر حجة على الغير إلا إذا كان هو أو ملحقه مسجلاً بسجل المحكمة التي بدائرتها العقار الموقوف طبقًا لأحكام المادة (374) من هذه اللائحة.
وانظر المواد الثامنة والعاشرة والحادية عشرة من قانون (33) لسنة 1920 مادة (360):
(تؤخذ الإشهادات في المحاكم الكلية لدى الرئيس أو من يحيلها عليه من القضاة أو الكتاب وفي المحاكم الجزئية لدى قضاتها أو من يحيلونها عليه من الكتاب، ويجوز الانتقال لأخذ الإشهاد متى كان في دائرة المحكمة).
مادة (374):
(على المحكمة التي صدر بها الإشهاد أن تؤشر بمقتضاه على سجل العقار، وإن كان مسجلاً بجهة أخرى فعليها إشعارها بذلك لإجراء ما ذكر وعلى كل حال فعلى المحكمة التي صدر بها الإشهاد أن ترسل ملخصه إلى المحكمة الكائن بدائرتها العقار لتسجيله)، وليلاحظ أن قانون (33) لسنة 1920 صدر قبل كتابة العقد العرفي للوقفية كما صرحتم بذلك في مقالتكم.


          

رقم الصفحة : (1) من إجمالي  1

            


 
 
الانتقال السريع          
  الموجودون الآن ...
  عدد الزوار 731 / عدد الاعضاء 57