اسم المستخدم: كلمة المرور: نسيت كلمة المرور



 

     
 
 
مشرف المنتدى
التاريخ
4/21/2022 9:02:04 AM
  أثر الرشوة على العقد الإداري      

أثر الرشوة على العقد الإداري مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة الرشوة فعل مذموم أخلاقاً، محرم دينياً، مجرم قانوناً؛ فقد روي عن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني أسد يقال له ابن اللتبية على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلى. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: «ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا. والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتى إبطيه. ألا هل بلغت ثلاثا». وإذا كان هذا الحديث النبوي الشريف ينصرف إلى فعل المرتشي، فان النبي صلى الله عليه وسلم قد بين في حديث آخر أن النهي عن سلوك سبيل الرشوة لا يقتصر على المرتشي وإنما يمتد ليشمل غيره من أطراف العلاقة، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش». بل إن هذا الحديث قد قدم الراشي على المرتشي، لأن فعل الراشي قد يحدث نوعا من الإغراء للموظف فيحمله بالتالي على الارتشاء دون أن تكون لديه نية مسبقة. وهكذا تحرم الشريعة الإسلامية الرشوة، مؤكدة أن لعنة الله عز وجل تلحق بجميع أطرافها، سواء كان راشيا أو مرتشيا أو رائشا وهو الوسيط. وفي القانون الوضعي، ينعقد إجماع التشريع المقارن على تجريم الرشوة في كل صورها، سواء أخذت شكل الطلب أو القبول. تضيف بعض التشريعات إلى هاتين الصورتين (الطلب والقبول) صورة ثالثة، وهي الأخذ. وتتحقق هذه الصورة الأخيرة إذا كان مقابل الرشوة ذا طبيعة مادية، وفيها يقوم المرتشي ببسط حيازته على الشيء. ويتحقق النموذج القانوني للجريمة، أياً كانت طبيعة مقابل الرشوة (ماديا أو معنويا)، وسواء كان طلب الموظف الرشوة لنفسه أو لغيره، وبصرف النظر عما إذا كانت الرشوة لأداء عمل أو للامتناع عنه، ويستوي أخيراً أن يكون الموظف مختصا بالعمل أو غير مختص به. وتجمع التشريعات الوضعية على أن العقاب لا يقتصر على الموظف المرتشي، وإنما يمتد ليشمل الراشي والوسيط. بل إن المشرع الوضعي يعاقب الراشي الذي يعرض الرشوة، دون أن يصادف عرضه قبولا من جانب الموظف العام. غير أن التساؤل يثور عن الحكم القانوني إذا كان الراشي قد نجح بالرشوة في إبرام عقد إداري مع إحدى الجهات الإدارية أو أحد الأشخاص المعنوية العامة، وما هو حكم العقد الإداري في هذه الحالة؟ وفي الإجابة عن هذا التساؤل، تقرر بعض التشريعات المقارنة الفسخ الوجوبي للعقد (المطلب الأول)، بينما تكتفي تشريعات أخرى بتقرير حق الإدارة في فسخ العقد بحيث يكون الأمر جوازيا لجهة الإدارة (المطلب الثاني). المطلب الأول اتجاه التشريعات التي تقرر الفسخ الوجوبي للعقد تقرر بعض التشريعات العربية الفسخ الوجوبي للعقد إذا ثبت أن المتعاقد قد حصل على العقد الإداري عن طريق الرشوة. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 24 من قانون المناقصات والمزايدات المصري – الصادر بالقانون رقم 89 لسنة 1998 – على أن «يفسخ العقد تلقائيا في الحالتين الآتيتين: 1- إذا ثبت أن المتعاقد قد شرع، بنفسه أو بواسطة غيره بطريق مباشر أو غير مباشر في رشوة أحد موظفي الجهات الخاضعة لأحكام هذا القانون، أو حصل على العقد عن طريق الرشوة. ب – إذا أفلس المتعاقد أو أعسر. ويشطب المتعاقد في الحالة المنصوص عليها في البند 1 من سجل الموردين أو المقاولين وتخطر الهيئة العامة للخدمات الحكومية بذلك لنشر قرار الشطب بطريق النشرات المصلحية ويتم بناء على طلب المتعاقد الذي شطب اسمه إعادة قيده في سجل الموردين أو المقاولين إذا انتفى سبب الشطب بصدور قرار من النيابة العامة بالأوجه لإقامة الدعوة الجنائية ضده أو بحفظها إداريا أو بصدور حكم نهائي ببراءته مما نسب إليه، على أن يعرض قرار إعادة القيد على الهيئة العامة للخدمات الحكومية لنشره بطريق النشرات المصلحية». وفي دولة قطر، تنص المادة 57 من قانون تنظيم المناقصات والمزايدات رقم 26 لسنة 2005 على أن «يعتبر العقد مفسوخا في الحالات التالية:1- إذا ثبت أن المتعاقد قد استعمل الغش أو التلاعب في تنفيذ العقد. 2- إذا ثبت أن المتعاقد شرع بنفسه أو بواسطة غيره بطريق مباشر أو غير مباشر في رشوة أحد موظفي الدولة أو التواطؤ معه إضرارا بالجهة الحكومية المتعاقد معها. 3- إذا أفلس المتعاقد أو أعسر». المطلب الثاني اتجاه التشريعات التي تقرر الفسخ الجوازي للعقد تقتصر بعض التشريعات المقارنة على تقرير حق الإدارة في فسخ العقد، الأمر الذي يوحي بأن فسخ العقد كجزاء للرشوة هو أمر جوازي لجهة الإدارة بحيث يمكنها اللجوء إلى فسخ العقد كما يمكنها الاستمرار في تنفيذه، وذلك وفقا لما تراه محققا للمصلحة العامة في ضوء تقديرها لظروف كل حالة على حدة. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تنص المادة (75/أ) من نظام عقود الإدارة – الصادر بموجب قرار وزير المالية والصناعة رقم (20) لسنة 2000م – على أن «يحق للوزارة في حالة الغش أو التلاعب أو الرشوة من قبل المقاول أو المورد فسخ العقد ومصادرة التأمين النهائي، وتنفيذ الأعمال أو توريد المواد على حساب المقاول أو المورد مع حفظ حقها في التعويض». وتنص المادة الثانية والعشرون البند (ج) من القانون الأردني بشأن هيئة مكافحة الفساد رقم 62 لسنة 2006م، مضافاً بموجب القانون المعدل لقانون هيئة مكافحة الفساد رقم 10 لسنة 2012م، على أن «1- كل عقد أو اتفاق أو منفعة أو امتياز تم الحصول عليه نتيجة فعل يشكل فساداً يكون قابلاً للإبطال أو الفسخ بقرار من المحكمة المختصة. 2- للهيئة أثناء إجراء تحقيقاتها أن تطلب كإجراء مستعجل من المحكمة المختصة وقف العمل بأي عقد أو اتفاق أو منفعة أو امتياز إذا تبين لها من ظاهر البينة أنه تم الحصول عليه نتيجة فعل فساد وذلك لحين البت في الدعوى». و كانت المادة الرابعة والعشرون من القانون اليمني رقم (3) لسنة 1997م بشأن المناقصات والمزايدات والمخازن الحكومية تنص على أن «يحق للجهة المعنية فسخ العقد ومصادرة التأمين النهائي في الحالات الآتية: أ- الغش والتلاعب. ب – تقديم الرشوة. ج- التأخير عن التنفيذ في المواعيد المحددة. مع عدم الإخلال بحق الجهة المعنية في الرجوع على المتعاقد بالمطالبة بالتعويضات اللازمة وفي حالة ثبوت إفلاس المتعاقد أو إعساره قانونا يحاسب المتعاقد بقيمة ما أنجزه أو ورده كاملا ويستقطع من التأمين النهائي أي حق للجهة المعنية». ولكن، يبدو أن المشرع اليمني قد عدل عن هذا الاتجاه، بحيث أصبح يميل إلى تبني اتجاه الفسخ الوجوبي للعقد. بيان ذلك أن المادة الثامنة والعشرين من القانون اليمني رقم (23) لسنة 2007م بشأن المناقصات والمزايدات والمخازن الحكومية تنص على أن «أ- على الجهة بعد موافقة لجنة المناقصات المختصة مصادرة الضمان، وإنهاء العقد مع المقاول أو المورد أو المتعهد إذا ثبت أنه استعمل الغش أو التلاعب أو شرع أو أقدم بنفسه أو بواسطة غيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على إرشاء أحد الموظفين أو التواطؤ معه بهدف الحصول على العقد أو مزايا أو مكاسب بدون وجه حق أو التنصل عن أيٍ من التزاماته المحددة في العقد وتتخذ الإجراءات الآتية في حقه: 1- التوقيف عن العمل نهائياً في المشروع. 2- مراجعة الأعمال المنفذة ورفع تقرير عن مدى سلامة التنفيذ والأضرار التي نتجت وتحديد الأعمال المنجزة أو الموردة أو المؤداة والمتبقي أو غير المنجز وتحديد تكلفة الأضرار التي تسبب فيها وأضرار توقيف العمل وتكاليف تنفيذ الأعمال المتبقية وإجراء المحاسبة الكاملة وخصمها من مستحقاته لدى الجهة. 3- حظر التعامل معه ورفع تقرير مفصل لوزارة المالية وإخطار وزارة المالية والجهات المعنية بإصدار تصاريح مزاولة المهنة أو شهادات التصنيف والتأهيل. ب- على الجهات المعنية بإصدار تصاريح مزاولة المهنة أو شهادات التصنيف والتأهيل كل فيما يخصه فور تلقيها التقرير المشار إليه في البند (3) من الفقرة السابقة أن تباشر في اتخاذ الإجراءات التالية: 1- تكليف فريق متخصص لحصر الأعمال التي قام بتنفيذها المقاول أو المورد أو المتعهد أو الاستشاري في الجهات التي سبق أن تعاقدت معه ومراجعتها للتأكد من صحة وسلامة تنفيذ تلك الأعمال. 2- إذا أكدت نتائج تلك المراجعة سلامة التنفيذ لكامل الأعمال عدا العمل المرفوع تقرير عنه من الجهة المختصة فيتم وقف التعامل معه لمدة سنةٍ في كافة الجهات الخاضعة لأحكام هذا القانون والجهات التي لها لوائح خاصة بها. أما إذا كانت الأعمال أو بعضها غير سليمة فيتم وقف نشاطه وتسحب منه شهادة التصنيف والتأهيل أو مزاولة المهنة مع عدم الإخلال بحق الجهة أو الجهات المعنية الأخرى في المطالبة بالتعويضات ويجوز للمتضرر اللجوء إلى القضاء». وبدورها، تنص المادة الثامنة البند الخامس عشر من القانون اليمني رقم (39) لسنة 2006م بشأن مكافحة الفساد على أن تتولى الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد «اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة لإلغاء أو فسخ أي عقد تكون الدولة طرفاً فيه أو سحب امتياز أو غير ذلك من الارتباطات إذا تبين أنها قد أبرمت بناءً على مخالفة لأحكام القوانين النافذة وتلحق ضرراً بالصالح العام وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة قانوناً». وعلى هذا النحو، يبدو جليا إجماع التشريعات المقارنة على تقرير الفسخ كجزاء في حالة لجوء المتعاقد مع الإدارة إلى الرشوة في سبيل الحصول على العقد. وحتى على فرض عدم وجود مثل هذه النصوص، فإن القضاء والفقه مستقران على أنه إذا ثبت أن الإدارة قد أصدرت قرارها بناء على دفع رشوة من صاحب الحاجة، فان القرار الإداري يصبح قرارا مبنياً على غش ومشوباً بسوء استعمال السلطة، وبالتالي يكون هذا القرار باطلا لا ينتج أي أثر. بل إن بعض الفقه يؤكد أن مثل هذا القرار يعد منعدماً، ومن ثم ولا يكون هناك أي داع قانوني لإبطاله، لأن العدم لا يولد إلا العدم.


 
 

 

الانتقال السريع           

 

  الموجودون الآن ...
  عدد الزوار 1298 / عدد الاعضاء 57